قضية
من البرشام إلى الذكاء الاصطناعي..علماء الدين: الغش فى االمتحانات جريمة قانونية ومعصية دينية
بينما يحبس مئات الآلاف من أولياء الأمور أنفاسهم على أرصفة الشوارع فى انتظار خروج أبنائهم، وتدور عقارب الساعة داخل اللجان فى صمت قاتل، تشتعل خلف الكواليس حرب سيبرانية وتربوية لا تهدأ، أطرافها غرف عمليات مستنفرة، وتكنولوجيا رقابة متطورة، وجروبات مغلقة على تطبيقات التليجرام تحاول يائسة اختراق الإجراءات المُشددة لمنع الغش وتسريب الامتحانات، أهلاً بكم فى ماراثون الثانوية العامة لعام 2026، حيث لم يعد الغش مجرد «قصاصة ورق» مخبأة فى جيب طالب، بل تحول إلى معركة «إلكترونية حقيقية» بين حيل التسريب الإلكترونى وأدوات تكنولوجية حديثة وأدوات التفتيش الصارمة.
وهكذا مع انطلاق امتحانات الثانوية العامة، عاد ملف الغش إلى صدارة المشهد من جديد، بعدما نشطت بعض الصفحات والمجموعات المعروفة باسم «شاومينج» على مواقع التواصل الاجتماعى وتطبيقات المراسلة، فى الترويج لصور مزعومة لأسئلة الامتحانات والادعاء بتسريبها قبل بدء اللجان، كما شهدت الامتحانات محاولات لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعى فى حل الأسئلة عقب تصويرها من داخل اللجان، إلى جانب ضبط طالبين بمحافظة قنا بحوزتهما سماعات إلكترونية دقيقة مخفية داخل كروت بلاستيكية، فى محاولة للتحايل على إجراءات التأمين.
وتعكس هذه الوقائع التحول الكبير الذى شهدته أساليب الغش خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت من تبادل الإجابات وقصاصات الورق المعروفة بـ«البرشام» إلى وسائل أكثر تطورًا تعتمد على الهواتف المحمولة والسماعات الإلكترونية الدقيقة وأدوات الاتصال الحديثة، ورغم تشديد وزارة التربية والتعليم إجراءات التفتيش والرقابة داخل اللجان، لا تزال محاولات الغش تتجدد بأشكال مختلفة، فى سباق مستمر بين التطور التكنولوجى وجهود الحفاظ على نزاهة العملية التعليمية.
الغش عبر العصور
لم يكن الغش فى الاختبارات نتاج التكنولوجيا المعاصرة، كالهواتف الذكية أو تقنيات الذكاء الاصطناعى، بل هو سلوك قديم لازم المنظومة التعليمية منذ بداياتها الأولى، فرغم تطور الوسائل عبر العصور، ظلت الدوافع الكامنة وراءه ثابتة، فمنذ اعتمدت البشرية الامتحانات كأداة لتقييم الكفاءة والمعرفة، ظهرت معها محاولات الالتفاف على الأنظمة لتحقيق النجاح بأقل مجهود.
وتؤكد الشواهد التاريخية أن الحضارات القديمة لم تسلم من هذه الظاهرة، فالحضارة الصينية مثلًا، والتى تميزت بنظام صارم للامتحانات القومية باختيار موظفى الدولة، شهدت محاولات مبكرة لتسريب المعلومات وتهريب وسائل مساعدة، مما أجبر السلطات حينها على فرض رقابة حديدية لحماية نزاهة الاختبارات.
ومع تطور التعليم وانتشار المدارس النظامية، تطورت أساليب الغش من الـ«برشام» والإشارات السرية داخل اللجان إلى استغلال التكنولوجيا الحديثة، بدءًا من الآلات الحاسبة القادرة على تخزين المعلومات، مرورًا بالساعات الذكية والهواتف المحمولة، وصولًا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعى، ورغم هذا التطور الكبير فى الوسائل، فإن جوهر المشكلة ظل كما هو، إذ يدفع الخوف من الفشل، وضغوط الأسرة، والسعى وراء الدرجات المرتفعة بعض الطلاب إلى البحث عن طرق مختصرة للنجاح، لذلك لم تعد مواجهة الغش مسؤولية المراقبين داخل اللجان فحسب، بل أصبحت قضية تربوية وأخلاقية تتطلب بناء ثقافة تقوم على الأمانة والنزاهة، وتطوير نظم تعليمية تعتمد على الفهم والإبداع أكثر من الحفظ والاستظهار.
لماذا يَحرم الغش؟
قال الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن العلماء استدلوا على حرمة الغش فى الامتحانات بحديث النبى صلى الله عليه وآله وسلم: «المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبى زور»، موضحًا أن من يغش فى الامتحان يُظهر للناس علمًا وفهمًا وحفظًا ليس لديه فى الحقيقة، فيكون قد ادعى ما ليس له، فيدخل فى معنى الحديث.
وأضاف أن «ثوبى الزور» كناية عن إظهار الشىء على غير حقيقته، كما يحدث فى التزوير، حيث يُجمَّل الباطل حتى يبدو حقًّا، ولذلك فإن الغش نوع من أنواع التزييف والخداع المحرم شرعًا.
واستشهد بحديث النبى صلى الله عليه وسلم: «من غشَّنا فليس منا»، مؤكدًا أن الحديث، وإن ورد فى سياق المعاملات التجارية، فإن لفظه عام يشمل كل صور الغش، ومنها الغش فى الامتحانات، وبيّن أن معنى «فليس منا» أى ليس من أخلاق المسلمين ولا من هديهم.
هل الغش من كبائر الذنوب؟
وعن اعتبار الغش من الكبائر، أوضح على جمعة أن العلماء ذكروا علامات تُعرف بها الكبيرة، منها أن يرد فيها وعيد شديد بالنار، أو حدٌّ شرعى، أو لعن، أو تبرؤ من الفاعل، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم: «من غشَّنا فليس منا».
وأشار إلى أن الذنوب التى ورد فيها مثل هذا الوعيد تُعد من الكبائر، بينما الذنوب التى لم يرد فيها وعيد من هذا النوع تُعد من الصغائر عند جمهور العلماء، ووفقًا لذلك فإن الغش من كبائر الذنوب لأنه يترتب عليه تبرؤ من الفاعل كما قال سيدنا محمد فى الحديث الشريف «فليس منا»، وهو تبرؤ واضح لمن يغش.
وفى هذا السياق، قال الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن الجهات المعنية تتخذ إجراءات مشددة للحد من الغش داخل لجان الامتحانات، وهناك متابعة ورقابة دقيقة داخل اللجان لرصد أى مخالفات أو محاولات للغش، مؤكدًا أن الدولة تتعامل بحزم مع هذه الظاهرة، ونصح الطلاب بأنه إذا شاهد أحدهم حالة غش أو محاولة للغش، فعليه إبلاغ مشرف الدور أو رئيس اللجنة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتحدث أمين الفتوى عن بعض الطلاب الذين قد يبررون الغش بانتشاره بين زملائهم، قائلاً إن هذا السلوك يتعارض مع توجيهات النبى صلى الله عليه وسلم، مستشهدًا بحديثه الشريف: «لا يكن أحدكم إمَّعة»، أى لا يكون تابعًا للآخرين دون تفكير أو تمييز بين الصواب والخطأ.
وأكد أن الطالب يجب أن يربى نفسه على الالتزام بالقيم والأخلاق، وأن يجعل من نفسه قدوة حسنة لغيره، مشيرًا إلى أن الغش لا يحقق نجاحًا حقيقيًا، بل يوقع صاحبه فى المعصية.
وأضاف أن من يبرر الغش بأنه لا يضر أحدًا يكون مخطئًا، لأن أول من يتضرر من الغش هو الشخص نفسه، موضحًا أن الشريعة الإسلامية نهت عن الغش تحريمًا قاطعًا، واستشهد بقول النبى صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا».
واختتم الشيخ أحمد وسام حديثه بالتأكيد على ضرورة الالتزام بالأمانة خلال الامتحانات، مشيدًا بالجهات المعنية المشرفة على لجان الثانوية العامة وما تبذله من جهود لضمان نزاهة الامتحانات ومنع الغش.
وعن أسباب الغش الحقيقة، أكدت وزارة الأوقاف المصرية من الوقائع التى يتم ضبطها سنويًا خلال امتحانات الثانوية العامة أن الظاهرة لا ترتبط فقط برغبة بعض الطلاب فى الحصول على درجات أعلى، وإنما تقف خلفها أسباب متشابكة تتعلق بضغوط الأسرة، والخوف من الفشل، وضعف الثقة بالنفس، والرهبة من تحديد المستقبل الجامعى بناءً على نتيجة امتحان واحد، ضعف الوازع الأخلاقى، والخوف من نظرة المجتمع للطالب حال إخفاقه
وعن الجانب القانونى فينص قانون مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات رقم 205 لسنة 2020 على عقوبات تصل إلى الحبس من سنتين إلى سبع سنوات وغرامات تتراوح بين 100 ألف و200 ألف جنيه فى جرائم تسريب الامتحانات أو الترويج لها بقصد الغش، كما يعاقب حيازة وسائل الاتصال داخل اللجان بقصد الغش بغرامات مالية ومصادرة الأجهزة المضبوطة.
كما تواصل وزارة التربية والتعليم تشديد إجراءاتها لمواجهة الغش الإلكترونى خلال امتحانات الثانوية العامة 2026، مؤكدة أن أى محاولة للإخلال بنزاهة الامتحانات ستُواجه بعقوبات رادعة قد تصل إلى الحرمان من أداء الامتحان لمدة عامين.
بالإضافة إلى تحديث منظومة كاميرات المراقبة داخل اللجان، إلى جانب تنفيذ إجراءات تفتيش دقيقة لمنع دخول الهواتف المحمولة أو أى أجهزة إلكترونية يمكن استخدامها فى الغش، كما وفرت الوزارة 10 نماذج استرشادية لكل مادة منذ أبريل الماضى، ونشرت فيديوهات توعوية لشرح طريقة الإجابة وتسجيل البيانات، دعمًا للطلاب قبل الامتحانات. وفى الوقت نفسه، يجرى تنسيق كامل مع وزارة الداخلية لتأمين اللجان ومحيطها، مع تخصيص مداخل ومخارج مستقلة داخل المجمعات الامتحانية لضمان سهولة الحركة ومنع التكدس.
ورغم التطور الكبير فى وسائل الغش وتعدد أشكاله، فإن جوهر القضية يظل أعمق من مجرد أجهزة إلكترونية أو إجراءات أمنية مشددة، إذ يرتبط بمنظومة متكاملة تبدأ من الأسرة والمدرسة وتمتد إلى ثقافة المجتمع فى النظر إلى النجاح والتفوق، فالقوانين الرادعة وكاميرات المراقبة قد تحد من الظاهرة، لكنها لا تقضى عليها بالكامل ما لم يصاحبها ترسيخ لقيم الأمانة والنزاهة والثقة بالنفس، وبين معركة التكنولوجيا والإجراءات الرقابية، يبقى الرهان الحقيقى على وعى الطالب وإدراكه أن النجاح الذى يُبنى على الغش قد يمنح درجة على الورق، لكنه لا يصنع علمًا ولا يبنى مستقبلًا.


تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض