قرار الرئيس أعاد الروح لأصحاب المعاشات
أول الغيث.. 15%
فاطمة: من حقنا أن نعلم كيف تدار أموال التأمينات ؟
حسن: المعاش يتبخر على الأدوية.. والمستشفيات
رحلة البحث فى «دفاتر التسويات»: أين ذهبت أموال المتقاعدين.. وكيف تعود؟
أحمد عبد العال: خطوة إيجابية.. ولكن الغلاء يأكل كل زيادة..
قرار السيسى بزيادة المعاشات بنسبة 15% اعاد الابتسامة لوجوه اصحاب المعاشات وفتح ملف أموال التأمينات الضائعة .. ليصبح السؤال هل تنتهى معاناة اصحاب المعاشات بعودة الحقوق؟
بين المعاناة وبين الترحيب بالزيادة السنوية والمطالبة بتحسين أوضاع أصحاب المعاشات على المدى الطويل، يبقى السؤال الذى يتردد بين الملايين: هل تُدار أموال التأمينات بما يحقق أفضل عائد ممكن لأصحابها أم أن هناك جوانب لا تزال بحاجة إلى مراجعة وإصلاح؟
عندما يقتطع العامل جزءًا من راتبه شهريًا لصالح التأمينات الاجتماعية، فإنه يفعل ذلك على أساس أن هذه الأموال ستعود إليه يومًا ما فى صورة معاش يضمن له حياة كريمة بعد انتهاء سنوات العمل، فالمعاش بالنسبة لملايين المصريين ليس منحة أو دعمًا اجتماعيًا، بل حق ناتج عن سنوات طويلة من الاشتراكات والاستقطاعات التى تحملها العامل على أمل أن توفر له الأمان فى مرحلة التقاعد.
ومع بدء صرف الزيادة السنوية للمعاشات بنسبة 15% اعتبارًا من يوليو الجاري، عاد ملف التأمينات والمعاشات إلى واجهة النقاش العام من جديد، ليس فقط باعتباره ملفًا يتعلق بقيمة الزيادات الدورية، وإنما باعتباره أحد أكثر الملفات الاقتصادية والاجتماعية تعقيدًا وإثارة للجدل.
فعلى مدار عقود، تحولت أموال التأمينات إلى محور خلاف واسع بين الحكومات المتعاقبة وأصحاب المعاشات، بعدما أصبحت جزءًا من التشابكات المالية بين الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى والخزانة العامة للدولة ورغم إعلان الحكومة تسوية جانب كبير من هذه التشابكات وسداد المديونيات المستحقة للهيئة وفق آلية حددها قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات، لا تزال تساؤلات عديدة مطروحة حول مصير هذه الأموال، وحقيقة عودتها إلى أصحابها، ومدى استقلالية إدارتها واستثمارها.
كما عاد الجدل إلى الواجهة مؤخرًا مع طرح مقترحات تتعلق بمستقبل إدارة أصول التأمينات وآليات تعظيم العائد منها، فى وقت يؤكد فيه ممثلو أصحاب المعاشات أن القضية لا تتعلق فقط بقيمة الزيادات السنوية، وإنما بمصير أموال اقتُطعت من دخول ملايين العاملين على مدار سنوات طويلة، وما إذا كانت تُدار بما يحقق مصالح أصحابها ويحفظ حقوق الأجيال الحالية والقادمة.
أعباء يومية
وبالنسبة لأصحاب المعاشات أنفسهم، فإن الجدل الدائر حول أموال التأمينات لا يُقاس بحجم المديونيات أو بنود القوانين بقدر ما ينعكس على قدرتهم على مواجهة أعباء الحياة اليومية
يقول أحمد عبدالعال، موظف بالمعاش، إن الزيادة السنوية الأخيرة تمثل خطوة إيجابية وتساعد فى تخفيف جزء من الضغوط المعيشية، لكنها لا تكفى وحدها لمواجهة الارتفاع المستمر فى أسعار السلع والخدمات، مضيفًا أن صاحب المعاش يشعر بأن أى زيادة يحصل عليها تتآكل سريعًا أمام موجات الغلاء المتلاحقة.
أما فاطمة السيد، وهى أرملة تتقاضى معاشًا شهريًا، فترى أن القضية تتجاوز قيمة الزيادة السنوية، مؤكدة أن أصحاب المعاشات من حقهم معرفة مصير الأموال التى اقتُطعت من دخولهم طوال سنوات العمل وتقول إن هذه الأموال ليست منحة أو دعمًا حكوميًا، وإنما حقوق تراكمت عبر سنوات طويلة من الاشتراكات المنتظمة، ومن حق أصحابها الاطمئنان إلى كيفية إدارتها واستثمارها.
ويشير محمد حسن، موظف سابق بإحدى شركات القطاع العام، إلى أن جزءًا كبيرًا من معاشه يذهب لتغطية نفقات العلاج والدواء، خاصة مع التقدم فى العمر وارتفاع أسعار الخدمات الصحية، مؤكدًا أن الحديث عن أموال التأمينات لا ينفصل عن مستوى المعيشة الذى يعيشه أصحاب المعاشات اليوم، ومدى قدرة هذه الأموال على توفير حياة أكثر استقرارًا لهم بعد سنوات العمل.
كيف بدأت الأزمة؟
يقول منير سليمان، مسئول الاتحاد العام لأصحاب المعاشات، فى تصريح خاص لـ«الوفد» إن جذور أزمة أموال التأمينات والمعاشات تعود إلى عام 2006 خلال فترة تولى الدكتور يوسف بطرس غالى وزارة المالية، عندما اتجهت الحكومة إلى الاستفادة من أموال التأمينات للمساهمة فى تغطية العجز المتزايد بالموازنة العامة للدولة.
وأوضح أن هذا التوجه واجه فى بدايته اعتراضًا من الدكتورة ميرفت التلاوي، وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية آنذاك، التى تمسكت بالحفاظ على أموال أصحاب المعاشات ورفضت نقلها إلى وزارة المالية، مقترحة بدائل أخرى من بينها منح الوزارة حصصًا فى بعض الشركات المملوكة للدولة لتتولى استثمارها. إلا أن هذه المقترحات لم تلق قبولًا، ومع التعديلات الوزارية اللاحقة تم إلغاء وزارة التأمينات وانتقلت أموال التأمينات بالكامل إلى وزارة المالية.
وأضاف أن هذا الوضع جعل وزارة المالية، بحسب وصفه، الطرف الذى يدير الأموال والطرف المستفيد منها فى الوقت نفسه، ما أفقد أصحاب المعاشات السيطرة الفعلية على أموالهم، وأدى إلى استخدام هذه الموارد فى خدمة احتياجات الموازنة العامة بدلاً من استثمارها لتحقيق أفضل عائد ممكن لصالح المؤمن عليهم وأصحاب المعاشات.
وأشار سليمان إلى أن الحكومات المتعاقبة لم توفر العوائد الكافية التى تضمن تنمية أموال التأمينات بالشكل الذى ينعكس على مستوى المعاشات، معتبرًا أن أصحاب المعاشات كانوا من أكبر المتضررين من هذه السياسات على مدار سنوات طويلة.
من التشابكات إلى المديونيات
من جانبه، يؤكد كامل السيد، خبير المعاشات ووكيل الهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية سابقًا، فى تصريح خاص لـ«الوفد» أن أزمة أموال التأمينات ليست وليدة عام 2006 فقط، وإنما تعود إلى عقود طويلة من استخدام الحكومات المتعاقبة لهذه الأموال فى تمويل احتياجات الدولة ومؤسساتها المختلفة بدلاً من ترك الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى تديرها وتستثمرها بصورة مستقلة تحقق أفضل عائد ممكن.
وأوضح أن الخزانة العامة كانت تستحوذ فى فترات سابقة على فوائض أموال التأمينات مقابل عوائد متدنية لم تتجاوز 4%، فى الوقت الذى كانت فيه أسعار الفائدة المصرفية تدور حول 9%، ما حرم أصحاب المعاشات من عوائد كان يمكن أن تسهم فى تنمية أموالهم.
وأضاف أن إنشاء بنك الاستثمار القومى زاد من تعقيد المشهد، بعدما أودعت غالبية أموال التأمينات لديه بعوائد لم تكن تتناسب مع حجم الأموال المودعة، بينما جرى فى أحيان كثيرة إثبات عوائد محاسبية فى صورة مديونيات وأوراق مالية دون تدفقات نقدية حقيقية.
وأشار إلى أن جزءًا من أموال التأمينات وُجه إلى جهات ومشروعات مختلفة لم يسدد بعضها ما حصل عليه من تمويل، كما جرى استثمار مليارات الجنيهات فى البورصة خلال فترات لم تكن الهيئة تمتلك فيها جهازًا متخصصًا لإدارة المحافظ الاستثمارية وإدارة المخاطر وفق المعايير المهنية المتعارف عليها.
وأضاف أن الأزمة تفاقمت بصورة أكبر بعد ضم أموال التأمينات فعليًا إلى المالية العامة للدولة خلال فترة تولى الدكتور يوسف بطرس غالى وزارة المالية، حيث تم التعامل معها باعتبارها جزءًا من موارد الخزانة العامة، مقابل منح الهيئة أدوات دين تمثل مديونية الدولة تجاهها، وهو ما حدّ من قدرة أموال التأمينات على تحقيق تراكمات مالية واستثمارية كبيرة على المدى الطويل.
يرى كامل السيد أن تداعيات هذه السياسات انعكست بصورة مباشرة على أصحاب المعاشات، إذ أدت إلى إضعاف الموارد المتاحة للهيئة القومية للتأمين الاجتماعى وتقليص قدرتها على تنمية أموالها وتحقيق عوائد كافية تدعم زيادة المعاشات وتحسين المزايا التأمينية.
ولفت إلى أن الحكومة حددت قيمة مديونيتها للتأمينات بنحو 898 مليار جنيه تُسدد على 55 عامًا بعائد متزايد، فى حين تقترض من البنوك التجارية بفوائد أعلى كثيرًا، وهو ما يحرم الهيئة من تحقيق عوائد أكبر كان يمكن أن تنعكس على أوضاع أصحاب المعاشات.
وأكد أن ملف أموال التأمينات لم يُغلق بالكامل حتى الآن، موضحًا أن جزءًا من الأموال عاد إلى الهيئة، لكن إدارة المنظومة ما زالت تخضع لقدر من الوصاية، فى ظل محدودية تمثيل أصحاب المعاشات والمؤمن عليهم داخل مجلس الإدارة.
كما أشار إلى أن قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 ألزم الهيئة بتوجيه ما لا يقل عن 75% من احتياطياتها إلى أذون وسندات الخزانة، وهو ما يقلص فرص تنويع الاستثمارات وتحقيق عوائد أعلى.
وأوضح أن أبرز التحديات التى تواجه أموال التأمينات حاليًا تتمثل فى محدودية الاستقلال الإدارى والاستثمارى للهيئة، إلى جانب ضعف تمثيل أصحاب الحقوق التأمينية فى عملية اتخاذ القرار، الأمر الذى يحد من فرص تطوير سياسات استثمارية أكثر تنوعًا وكفاءة قادرة على تحقيق عوائد أفضل وتحسين المعاشات بما يتناسب مع الارتفاع المستمر فى تكاليف المعيشة.
أموال المعاشات.. لمن تعود الملكية؟
فى المقابل، يؤكد الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى والمالى الدولى والمحاضر بالجامعات الخاصة والدولية، فى تصريح خاص لـ«الوفد» أن أموال التأمينات والمعاشات فى مصر هى فى الأساس أموال مملوكة لأصحاب المعاشات والمؤمن عليهم، بينما يقتصر دور الدولة على حمايتها وضمان استدامتها والإشراف على إدارتها وفقًا للأطر القانونية المنظمة لذلك.
وأوضح أن قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 منح الهيئة القومية للتأمين الاجتماعى شخصية اعتبارية مستقلة وذمة مالية منفصلة، باعتبارها الجهة المالكة لأموال التأمينات والمسئولة عن إدارتها لصالح المستفيدين، مع حظر استخدام هذه الأموال فى غير الأغراض التأمينية التى أنشئت من أجلها.
وأشار إلى أن الدولة التزمت خلال السنوات الأخيرة بتنفيذ خطة لفض التشابكات المالية التاريخية بين الخزانة العامة وهيئة التأمينات، من خلال سداد المديونيات المتراكمة عبر أقساط سنوية منتظمة، موضحًا أن وزارة المالية واصلت تحويل المبالغ المقررة للهيئة التزامًا بالقانون وبما يضمن استدامة منظومة التأمينات والمعاشات.
وأضاف أن جذور الأزمة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضى بعد إنشاء بنك الاستثمار القومى وتوجيه جانب كبير من أموال صناديق التأمينات إلى استثمارات مرتبطة بالدولة، قبل أن تتفاقم بصورة أكبر بعد عام 2006 مع ضم وزارة التأمينات إلى وزارة المالية وإنشاء الحساب الموحد، الأمر الذى أدى إلى تعقد العلاقة المالية بين الجانبين وتراكم مديونيات ضخمة لصالح هيئة التأمينات.
بين الزيادات والتضخم
ويلفت الخبير الاقتصادى إلى أن الزيادات المتتالية التى أقرتها الدولة أسهمت فى تخفيف جزء من الأعباء المعيشية، إلا أنها لم تكن كافية لمواكبة معدلات التضخم والارتفاعات الكبيرة فى أسعار السلع والخدمات خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن أصحاب المعاشات من ذوى الدخول المنخفضة هم الأكثر تأثرًا بتراجع القوة الشرائية، ما يستدعى استمرار العمل على تحسين قيمة المعاشات بصورة تتناسب مع الزيادات الفعلية فى تكاليف المعيشة.
وأشار إلى أن عدد أصحاب المعاشات فى مصر يقترب من 11.5 مليون مواطن، يحصلون على مستحقاتهم من منظومة تعد من أكبر شبكات الحماية الاجتماعية فى الدولة، ما يجعل تطويرها ضرورة اقتصادية واجتماعية فى آن واحد.
مقترحات للإصلاح
وحول سبل تطوير المنظومة، اقترح الدكتور ياسر حسين سالم إنشاء كيان مصرفى أو استثمارى متخصص يتولى إدارة وتنمية أموال المعاشات وفق أسس احترافية تضمن تحقيق أفضل عائد ممكن لصالح أصحابها، مستشهدًا بتجارب دولية ناجحة فى إدارة صناديق التقاعد.
كما دعا إلى توسيع قاعدة المشتركين فى منظومة التأمينات الاجتماعية، وتنويع الاستثمارات، وتحسين الخدمات المقدمة لأصحاب المعاشات، وتبسيط إجراءات صرف المستحقات، وإنشاء آليات أكثر فاعلية للتعامل مع الشكاوى وحل المشكلات الإدارية.
وشدد على أهمية الإسراع فى إنهاء التشابكات المالية القائمة بين وزارة المالية وهيئة التأمينات الاجتماعية خلال فترة زمنية أقصر، بما يضمن تعزيز الاستقلال المالى للهيئة وتحقيق عوائد أكبر لأصحاب المعاشات.
ملف لم يُغلق بعد
ورغم بدء تنفيذ خطة سداد المديونيات التاريخية، وإقرار زيادة جديدة للمعاشات بنسبة 15% اعتبارًا من يوليو الجاري، لا يزال ملف أموال التأمينات حاضرًا بقوة فى النقاش العام.
فبينما تؤكد الحكومة أنها نجحت فى فض جانب كبير من التشابكات المالية وضمان استدامة المنظومة التأمينية، يرى ممثلو أصحاب المعاشات وعدد من الخبراء أن التحدى الحقيقى لا يقتصر على سداد المديونيات، بل يمتد إلى كيفية إدارة هذه الأموال وتعظيم عوائدها وضمان مشاركة أصحابها فى الرقابة عليها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض