رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

اﻟﻤﻮت ﻓﻰ اﻟﻤﻘﻌﺪ اﻟﺨﻠﻔﻰ

بوابة الوفد الإلكترونية

اﻹﻫﻤﺎل ﻳﻜﺘﺐ اﻟﺴﻄﺮ اﻷﺧﻴﺮ في ﺣﻴﺎة اﻟﻄﻔﻞ ﺣﻤﺰة

 

فى لحظة شتات ذهنى غلفها الإرهاق الشديد، تحول الروتين الصباحى المعتاد إلى فاجعة إنسانية تدمى القلوب بمنطقة التجمع الخامس. فبسبب قلة النوم غاب عقل الأب عن محطته الأساسية لتوصيل طفله الصغير إلى الحضانة، ليتوجه مباشرة إلى مقر عمله، وبخطوات رتيبة، ترجل من سيارته وأغلق أبوابها دون أن يتذكر أن نجله الصغير فى السيارة.

بدأت المأساة فى ليلة سبقت الحادث، حيث كان الأب يتابع بشغف مباراة المنتخب الوطنى أمام نيوزيلندا، امتد الوقت وتأخرت صافرة النهاية حتى السادسة صباحا لينام الأب ساعات قليلة لم تكن كافية لترميم إرهاقه الجسدى، ومع دقات العاشرة والنصف استيقظ مثقلًا بالنعاس لكن الواجب كان يناديه فلابد أن يقوم بتوصيل طفله الصغير «حمزة» البالغ من العمر العامين والنصف إلى حضانته بزهراء المعادى قبل أن يتوجه إلى مقر عمله بالتجمع الخامس.

حمل الأب طفله برفق ووضعه فى مقعد الأطفال المثبت بعناية فى المقعد الخلفى للسيارة، ومثل أى طفل مع طول الطريق غلبه النعاس واستسلم لنوم عميق وهادئ، لم يكن يعلم الأب أن هذا الهدوء الشديد سيكون بداية المأساة فالطفل نائم فى الخلف بلا حراك أو صوت، والأب يقود وعقله مغيب فى سحابة من الإرهاق الشديد والتعب.

فى تلك اللحظات تحركت السيارة وبدون أن يشعر الأب توجه إلى طريق عمله لاغيًا تماما من عقله مشوار حضانة ابنه الصغير، وصل الأب إلى التجمع الخامس بجوار شركة «جوميا» صف السيارة ترجل منها وأغلق الأبواب والنوافذ بإحكام كالعادة ثم مضى بخطوات رتيبة نحو مكتبه تاركًا خلفه أثمن ما يملك فى صندوق حديدى مغلق.

مرت الساعات وتحولت السيارة تحت أشعة الشمس الحارقة إلى ما يشبه الفرن المحكم بدأ الأكسجين يتلاشى تدريجيا والحرارة ترتفع لتخنق أنفاس الصغير النائم الذى انتقل من نومه الطفلى إلى غيبوبة الموت دون أن يصرخ أو يشعر بمرارة الفقد، وفى المقابل كان الأب يجلس فى مكتبه المكيف يمارس عمله بشكل طبيعى غافلا تماما عن المأساة التى تحدث على بعد أمتار قليلة منه.

جاءت الساعة الخامسة مساءً توجهت الأم بلهفة الأمومة المعتادة إلى الحضانة لتستلم طفلها وتضمه إلى صدرها بعد يوم عمل شاق، لكن الصدمة كانت بانتظارها عند الباب فوجئت بكلمات صادمه «حمزة مجاش النهاردة» شعرت الأم ببرودة تسرى فى أوصالها زادت ضربات قلبها أخرجت هاتفها المحمول من حقيبة يدها اتصلت بزوجها لتسأله بنبرة متوجسة: «أين حمزة؟ الحضانة بتقول مجاش النهاردة؟».

وقعت الكلمات على مسامع الأب كالصاعقة. فى ثانية واحدة استرجع شريط الصباح وتذكر المقعد الخلفى وتذكر نوم حمزة صرخ صرخة هزت أركان المكان ونزل يركض كالمجنون فى ممرات شركته يدفع كل من يقابله وعيناه لا ترى سوى سيارته القابعة فى الشمس.

وصل الأب والدموع تعمى عينيه، فتح باب السيارة بمرارة لتلفحه حرارة خانقة وتصدمه الفاجعة، كان حمزة مستلقى وجهه شاحب، وجسده الصغير فاقدًا للحركة تمامًا حمله بين ذراعيه يصرخ ويستغيث ونقله مسرعًا إلى المستشفى الجوى التخصصى يرجو معجزة تعيد النبض إلى جسده الصغير، لكن الأطباء أكدوا الحقيقة القاسية: لقد أسلم الصغير روحه إلى بارئها متأثرًا بالاختناق والإجهاد الحراري.

كشف التقرير الطبى لحمزة وجود تيبس بالأطراف وتغير فى لون الجلد واتساع بحدقتى العين وأوضح التقرير أن الفحص الظاهرى للجثمان لم يتم رصد أى آثار إصابات ظاهرية أو علامات اعتداء.

أمام مشرحة زينهم وقفت الأم فى حالة من الذهول والصدمة تستلم جثمان طفلها الذى خرج فى الصباح ضاحكاً سعيدا ليعود فى كفن، لتتحول حياة الأسرة إلى سرادق عزاء مفتوح بين أب يمزقه جلد الذات والندم الذى لن يمحوه الزمن، وأم مكلومة تبكى طفلها الذى خطفته لحظة شتات ذهنى عابرة تركت وراءها جرحًا غائرًا لا يندمل.