«يا خبر!»
اللغات على اختلاف أجناسها ليست فقط أداة للتواصل، بين البشر، ولا يمكن اختصارها فى النطق والصوت ورسم الحرف ولكنها فضاء ثقافى وحضارى يميز شعوب عن غيرها، لذلك فالاعتزاز باللغة ليس خيارا شخصيا، وإنما واجب قومى وركيزة أساسية فى بناء الهوية الوطنية، فاللغة وعاء يحمل تاريخ الأمم وثقافاتها، وتجاربها والتمسك بها يعكس قوة الانتماء.
منذ فترة أود الكتابة عن لغتنا العربية باعتبارها درعا لحماية تراثنا، ولا أخفيكم سرا، كم يستفزنى موضوع «التفرنج» لدى الأجيال الجديدة والتباهى بلغات أخرى غير العربية - وهذا ليس معناه أننى ضد أن يمتلك الإنسان لغات أخرى فهذا فى حد ذاته مفيد وينمى المعارف، لكننى أتحدث عن إهمال اللغة الأصلية لدرجة أن يتحول معظم المنتوج الكلامى لشبابنا إلى جمل مختلطة بين العربية-فى صورة ركيكية- ممزوجة بلغة أجنبية أخرى غالبا الإنجليزية.
من حقنا أن نفخر أننا من أصحاب اللغة العربية، أقدم لغة حية حافظت على قواعدها ونصوصها الأصلية وتمتاز بجذورها الاشتقاقية المرنة، وغناها المعجمى الواسع الذى يضم آلاف المترادفات، إضافة إلى نظامها الإعرابى الدقيق ومكانتها المقدسة كلغة للقرآن الكريم، هذا غير أن اللغة العربية لم تعد محصورة فى أقسام الدراسات الإسلامية أو اللغات الشرقية، بل بدأت تجد مكانها فى برامج الترجمة والعلاقات الدولية وعلم المصطلحات والإعلام وإدارة الأعمال، بما يستلزم اتساع نطاق الاهتمام بها داخل المؤسسات التعليمية.
فى هذا السياق ينبغى الاحتفاء بتجربة إمارة الشارقة فى دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها نموذجاً عربياً عظيما وظف الثقافة وفى القلب منها اللغة العربية والتعليم لبناء جسور تتجاوز الحدود الجغرافية، وهو ما منحها حضوراً مؤثراً فى المشهد الثقافى العربى والدولي، وليست مبالغة أن نصف الشارقة حامية اللغة العربية فى عصرنا الحديث، فلو أن لكل دولة أو ولاية مشروعا سياسيا كبيرا، فلا مبالغة لو قلنا إن مشروع الشارقة هو اللغة العربية وآدابها وفنونها، الشارقة اعتبرت اللغة العربية فى حد ذاتها مشروعا ثقافيا وتعمل دائما من خلال رؤية حاكمها صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى على تعزيز اللغة العربية، وتأكيد حضورها على المستويين الإقليمى والدولي، من خلال تأسيس المجامع والمراكز اللغوية وإطلاق المبادرات ودعم المشاريع العلمية والمعرفية التى تسهم فى الحفاظ على اللغة العربية فى محيطها العربى والعالمى وتطويرها واستخدامها فى كل المجالات العلمية والأدبية والاجتماعية، كونها قادرة على التفاعل والتكيف مع مختلف العلوم والحضارات، رسمت الشارقة خريطتها الثقافية عبر عدة محاور أولها وأهمها الاهتمام باللغة العربية عبر مشروعات ثقافية مستدامة على مدار العام وعناوين ثقافية ثرية، منها مثلا معرض الشارقة الدولى للكتاب أحد أكبر معارض الكتاب فى العالم والذى أسهم لأكثر من أربعة عقود فى ترسيخ مكانة الثقافة العربية، بين الثقافات الأخرى.
فى الشهر الماضى على سبيل المثال نظّم مجمع الشارقة للغة العربية، ضمن مشاركة إمارة الشارقة كضيف شرف فى معرض وارسو الدولى للكتاب 2026، ندوة ثقافية متخصصة بعنوان «جهود إمارة الشارقة فى دعم اللغة العربية والتمكين لها» بمشاركة نخبة من الأساتذة والباحثين من جامعتى وارسو وكراكوف، إلى جانب عدد من طلبة الدراسات العربية والمهتمين باللغة والثقافة العربية فى بولندا، عقدت الندوة بالتعاون مع جامعة كراكوف، وأدارتها الدكتورة باربرا ميخائيل، المتخصصة فى الدراسات العربية، بحضور أكاديميين وطلاب وباحثين من مختلف المؤسسات التعليمية البولندية، واستعرضت تجربة الشارقة فى إنشاء بيوت الشعر فى عدد من الدول العربية، ودورها فى رعاية الحركة الأدبية والشعرية، إلى جانب استعراض المكانة الثقافية التى حققتها الشارقة خلال العقود الماضية حتى أصبحت مركزاً عربياً ودولياً للثقافة والمعرفة والكتاب، وحاضنة للمبادرات الفكرية والإبداعية.. وسلط المشاركون الضوء على جهود مجمع اللغة العربية بالشارقة فى تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، من خلال برامجه وتطرقت الندوة إلى التعاون العلمى القائم بين المؤسسات الأكاديمية البولندية ومجمع اللغة العربية بالشارقة، ولا سيما ما يتعلق بالإشراف الأكاديمى على طلبة الماجستير والباحثين، وتوفير المراجع والكتب العلمية التى توثق جهود الشارقة ومبادراتها الثقافية واللغوية، بما يسهم فى إثراء الدراسات الأكاديمية المتخصصة فى اللغة العربية وآدابها.
مشروع الشارقة الثقافى فى تصورى تجاوز حدود الجغرافيا ليصل إلى مختلف الدول العربية والإفريقية والعالمية، من خلال مبادرات نوعية أسهمت فى دعم اللغة العربية عالميا وتعزيز حضورها، حتى صارت نموذجاً يحتذى به فى العمل الثقافى العربى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض