جهاد عبد المنعم يكتب: الذكاء الاصطناعي يعترف بمحدودية قدراته علي التنبؤ بنتائج مباريات المونديال
نجح الذكاء الاصطناعي في توقع الكثير من نتائج مباريات الدور التمهيدي في كأس العالم الحالية ولكنه فشل او جاءت توقعاته غير دقيقة في بعض المباريات والاحداث في هذا المونديال
والسؤال هو كيف يمكن ان تفشل التوقعات رغم كل التطور التكنولوجي الرهيب الذي يعتمد عليه الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة تكمن في طبيعة كرة القدم نفسها
فالمباراة ليست معادلة رياضية مغلقة بل حدث إنساني معقد يتأثر بعوامل يصعب تحويلها إلى أرقام.
فكيف يمكن لخوارزمية أن تقيس تأثير قائد يلقي كلمة ملهمة بين شوطي المباراة؟ كما حدث من حسام حسن
وكيف يمكنها حساب أثر خطأ تحكيمي أو إصابة مفاجئة أو حالة انفعالية لدى لاعب بعينه؟
بل كيف يمكنها التنبؤ بهدف تاريخي يأتي من تسديدة غير متوقعة من خارج منطقة الجزاء؟
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تجعل كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم وتجعل التنبؤ الكامل بنتائجها أمرًا شبه مستحيل.
من الفائز في معركة التوقعات؟

مع انطلاق المباريات الاخيرة في الدور التمهيدي لا يبدو أن هناك فائزا مطلقا في حكاية التوقعات. سواء الخبراء والمحللين او الذكاء الاصطناعي فالذكاء الاصطناعي أثبت تفوقا واضحا في تحليل البيانات واكتشاف الاتجاهات العامة وتقييم مستويات المنتخبات بصورة أكثر موضوعية.
وفي المقابل لا يزال العنصر البشري يحتفظ بقدرته على قراءة التفاصيل النفسية والعاطفية التي لا تظهر في الجداول والإحصائيات.
وربما تكمن الحقيقة في أن المستقبل لن يكون للمدرب وحده ولا للخوارزمية وحدها بل للشراكة بينهما.
ما كشفه مونديال 2026 حتى الآن هو أن كرة القدم دخلت بالفعل عصر الذكاء الاصطناعي، لكن اللعبة لم تفقد روحها الإنسانية.

فالخوارزميات أصبحت أكثر ذكاء من أي وقت مضى لكنها لا تزال عاجزة عن تفسير كل ما يحدث داخل المستطيل الأخضر.
ولهذا وبينما تتطور التكنولوجيا عاما بعد آخر يبقى هناك شيء واحد لم تستطع الآلات السيطرة عليه حتى الآن وهو سحر كرة القدم وقدرتها الدائمة على صناعة المفاجآت.
فقبل أشهر من انطلاق المونديال كانت مراكز التحليل الرياضي وشركات التكنولوجيا العملاقة تعمل ليل نهار على بناء نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على التنبؤ بمسار البطولة الأكبر في تاريخ كرة القدم حتي الان.في نسختها الأولى التي تضم 48 منتخبا وفي المقابل، لم يتوقف المدربون السابقون والمحللون والخبراء الرياضيون عن تقديم توقعاتهم التقليدية استنادا إلى التاريخ والخبرة والنجوم.
وقبل إسدال الستار على منافسات الدور التمهيدي برز سؤال مثير من كان أكثر دقة في قراءة المشهد؟ الذكاء الاصطناعي أم الخبراء البشر؟
الإجابة ليست بسيطة لكنها تكشف الكثير عن مستقبل كرة القدم في عصر البيانات الضخمة حيث انه قبل انطلاق البطولة نشرت العديد من المؤسسات الرياضية وشركات التحليل الرقمي توقعاتها لمسار المونديال واعتمدت تلك النماذج على ملايين البيانات المتعلقة بنتائج المنتخبات خلال السنوات الأخيرة والتصنيف العالمي وأداء اللاعبين في أنديتهم ومتوسط الأعمار والإصابات وحتى العوامل المناخية وتأثير السفر بين المدن المستضيفة.

وبحسب خبراء تحليل البيانات الرياضية فإن بعض النماذج الحديثة أصبحت قادرة على معالجة أكثر من 100 ألف متغير مختلف قبل إصدار أي توقع وهو رقم لم يكن يمكن تخيله قبل سنوات قليلة.
ورغم ذلك لم يكن الهدف التنبؤ بنتيجة مباراة واحدة فقط ولكن رسم صورة كاملة للبطولة وتحديد المنتخبات المرشحة للتأهل والأقرب إلى المنافسة على اللقب.
أين نجح الذكاء الاصطناعي؟
مع نهاية الدور الأول يمكن القول إن الخوارزميات حققت نجاحا ملحوظا في توقع عبور عدد كبير من المنتخبات الكبرى إلى الأدوار الإقصائية.
فالمنتخبات التي جاءت في صدارة التصنيفات العالمية قبل البطولة كانت بالفعل من بين أبرز المتأهلين وهو ما عزز ثقة كثيرين في قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة الاتجاهات العامة للبطولة.
كما نجحت النماذج الرقمية في رصد مؤشرات مهمة قبل انطلاق المنافسات مثل تراجع بعض المنتخبات التقليدية التي كانت تعاني من مشاكل دفاعية أو انخفاض في المعدلات البدنية وهو ما انعكس بالفعل على أدائها داخل الملعب.
ولم يقتصر الأمر على التوقعات بل امتد إلى التحليل الفني. فقد استخدمت العديد من المنتخبات برامج متقدمة لتحليل تحركات اللاعبين والمساحات الفارغة وأنماط الضغط ودقة التمرير ومعدلات استعادة الكرة وهو ما ساعد الأجهزة الفنية على اتخاذ قرارات أكثر دقة.
هل بعض المفاجآت أحرجت الخوارزميات؟

رغم كل هذه القدرات الحسابية الهائلة اصطدمت أنظمة الذكاء الاصطناعي بحقيقة قديمة في كرة القدم وهي ان المفاجآت لا تعترف بالأرقام فبعض المنتخبات الأقل ترشيحا نجحت في قلب التوقعات رأسا على عقب وحققت نتائج لم تكن ضمن السيناريوهات الأكثر احتمالا لدى كثير من النماذج الرقمية.
وهنا ظهرت حدود الذكاء الاصطناعي.
فالخوارزميات تستطيع قياس سرعة اللاعب وعدد تمريراته ومعدل استحواذ فريقه لكنها لا تستطيع قياس حجم الإصرار والحماس داخل غرفة الملابس وفي الملعب أو تأثير هدف مبكر على الحالة النفسية للمنافس أو الحماس الاستثنائي الذي تمنحه الجماهير لفريقها.
ولهذا السبب جاءت بعض النتائج بعيدة عن كل الحسابات المسبقة لتؤكد أن كرة القدم ستظل لعبة بشرية في جوهرها مهما بلغت درجة التطور التكنولوجي.
الخبراء ايضا لم يكونوا افضل حالا من الذكاء الاصطناعي
إذا كانت بعض نماذج الذكاء الاصطناعي قد أخطأت في توقع المفاجآت فإن كثيرا من الخبراء والمحللين وقعوا في الأخطاء نفسها.
فقد اعتمد عدد من المحللين على التاريخ والسمعة والأسماء الكبيرة أكثر من اعتمادهم على المؤشرات الرقمية الحديثة.
وكانت النتيجة أن بعض المنتخبات التي تلقت إشادات واسعة قبل البطولة فشلت في الظهور بالمستوى المتوقع بينما تجاوزت فرق أخرى كل التوقعات.
وهو ما أعاد طرح سؤال قديم جديد هو هل أصبحت البيانات أكثر أهمية من الحدس والخبرة؟
لغة الأرقام تدخل غرفة الملابس
ما لا يختلف عليه أحد أن الذكاء الاصطناعي أصبح لاعبا اساسيا في كرة القدم الحديثة.
فخلال الدور التمهيدي في مونديال 2026 استخدمت المنتخبات كميات ضخمة من البيانات لتحليل المنافسين وتقييم أداء اللاعبين.
وتشمل هذه البيانات المسافات المقطوعة لكل لاعب والسرعات القصوى أثناء المباريات ومعدلات استعادة الكرة ونسب نجاح التمريرات والتحركات داخل مناطق الخطورة وكفاءة الضغط الدفاعي وفرص التسجيل المتوقعة بل إن بعض الأجهزة الفنية تتلقى تقارير رقمية شبه فورية أثناء المباريات تساعدها على اتخاذ قرارات التبديل وتعديل الخطط التكتيكية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض