حكم الجمع بين العقيقة ووليمة الزواج في شاة واحدة
قالت دار الإفتاء المصرية إن العقيقة ووليمة العرس سُنَّتان مؤكدتان، تُطلبان بحسب يسار المكلَّف وقدرته عليهما، شكرًا لله تعالى على تجدُّدِ نعمهِ وتتابُع مِنَنهِ، والأصلُ استحبابُ إفراد كلٍّ منهما مستقلة عن الأخرى؛ طلبًا لكمال الامتثال، واستيفاءً لحِكَمِ كلٍّ منهما ومعانيه على وجهه التام، ولأن ما كان أكثر فعلًا كان أعظم أجرًا، سواء أكان ذلك بذبح شاتين لكلٍّ منهما، أم بما يقوم مقامها بالاشتراك في بدنةٍ أو بقرةٍ بسُبُعٍ فأكثر لكل واحدةٍ منهما، أو بأن يُفرد للعقيقة شاة أو ما يقوم مقامها، ويُعدَّ لوليمة العرس ما تيسَّر من الطعام.
الشكر على نعمة المولود ونعمة النكاح
وأوضحت الإفتاء عبر منصتها الرقمية، أن من نعم الله تعالى على عباده: ما يُجدِّده لهم من أسباب الفرح والسرور، كنعمة المولود، ونعمة النكاح، وقد شرع لهم عند ذلك من الشعائر والقربات ما يُعبِّرون به عن شكر هذه النعم، ويُظهرون بها الفرح المشروع، ويُحقِّقون بها معاني التوسعة وإطعام الطعام، وتقوية أواصر المودة بين الناس.
ومن هذه الشعائر: العقيقة عند المولود، ووليمة العرس عند النكاح.
بيان المراد بالعقيقة وحكمها
العقيقة شرعًا هي: الذبيحة التي تذبح عن المولود، ذكرًا كان أو أنثى.
قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (9/ 458، ط. مكتبة القاهرة): [العقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود. وقيل: هي الطعام الذي يصنع ويدعى إليه من أجل المولود] اهـ.
والعقيقة في أصلها من العادات المعروفة عند العرب، حيث كانوا بها يتلطَّفون بإشاعة نسب الولد بعد ولادته بإكرام الناس وإطعامهم، فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقرها، وأمر بها، وفعلها هو وصحابتُهُ الكرام رضوان الله عليهم، والسلف والخلف من بعدهم.
فعن عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبا بريدة رضي الله عنه يقول: «كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً، وَلَطَّخَ رَأسَهُ بِدَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَ اللهُ بِالإِسلَامِ كُنَّا نَذبَحُ شَاةً، وَنَحلِقُ رَأسَهُ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعفَرَانٍ» أخرجه الأئمة: أبو داود، والبيهقي، والحاكم وقال: "هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه". والزعفران: نوع من الطِّيب.
وعن سلمان بن عامر الضَّبِّي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهرِيقُوا عَنهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنهُ الأَذَى» أخرجه الإمام البخاري.
وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَينِ» أخرجه الأئمة: أحمد، والنسائي، وفي رواية أبي داود من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بزيادة: «كَبشًا كَبشًا».
وأضافت أن العقيقة سُنةٌ مؤكدةٌ، مطلوبةٌ بحسبِ يسار المكلَّف وملاءته، وهي مع ذلك عبادةٌ ماليةٌ يُتقرَّب بها إلى الله تعالى، شأنها شأن الأضحية والصدقة، يُرجى بها حصول البركة، كما أنها تُسهم في تعزيز روح التكافل الاجتماعي؛ لما في توزيع لحمها من إدخال السرور على الأهل والفقراء، وتقوية أواصر المودة والتراحم بين الناس.
قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (9/ 459): [والعقيقة سُنة في قول عامة أهل العلم، منهم: ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وفقهاء التابعين، وأئمة الأمصار، إلا أصحاب الرأي] اهـ.
وتتجلَّى الحكمة من مشروعيتها في كونها قربةً إلى الله تعالى، تشتمل على جملةٍ من المقاصد الشرعية؛ إذ يُرجى بها نفعُ المولود، ومنه دعاءُ من يُطعَم منها له، كما أنها مظهرٌ من مظاهر الشكر لله تعالى على نعمة الولد، وفيها أيضًا نوعُ إشهارٍ بالمولود تُحفظ به الأنساب وتُصان الحقوق.
قال العلامة ولي الله الدِّهلَوِي في "حجة الله البالغة" (2/ 223، ط. دار الجيل): [واعلم أن العرب كانوا يعقون عن أولادهم، وكانت العقيقة أمرًا لازمًا عندهم، وسنة مؤكدة، وكان فيها مصالح كثيرة... فأبقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعمل بها ورغّب الناس فيها؛ فمن تلك المصالح: التلطف بإشاعة نسب الولد، إذ لا بد من إشاعته لئلا يقال ما لا يحبه، ولا يحسن أن يَدُور في السكَك، فينادي أنه ولد لي ولد. فتعين التلطف بمثل ذلك، ومنها: اتباع داعية السخاوة وعصيان داعية الشح] اهـ.
وقال العلامة ابن الحاج في "المدخل" (3/ 294، ط. دار التراث): [وفي فعل العقيقة من الفوائد أشياء كثيرة: منها: امتثال السُّنة، وإخماد البدعة، ولو لم يكن فيها من البركة إلا أنها حِرزٌ للمولود من العاهاتِ والآفات كما ورد، فالسُّنةُ مهما فُعلت كانت سببًا لكلِّ خيرٍ وبركةٍ، والبِدعةُ بضدِّ ذلكَ] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض