رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

في خضم التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر، عاد ملف التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي ليتصدر المشهد مجددًا مع مناقشات الموازنة العامة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027، وبينما ترى الحكومة أن هذا التحول يمثل خطوة نحو رفع كفاءة منظومة الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه بصورة أكثر عدالة، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الدعم النقدي على حماية الفئات الأكثر احتياجًا في ظل موجات التضخم المتلاحقة وارتفاع تكاليف المعيشة.

الدعم النقدي في جوهره ليس فكرة جديدة، فقد طبقت العديد من الدول هذه الآلية بهدف منح المواطنين حرية أكبر في توجيه الدعم وفق احتياجاتهم الفعلية، فضلًا عن الحد من الهدر والتسرب الذي قد يصاحب بعض صور الدعم العيني، لكن نجاح هذه التجربة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الدولة على الحفاظ على القوة الشرائية للمبالغ الممنوحة للمستفيدين، وهو التحدي الأكبر في الاقتصادات التي تعاني من معدلات تضخم مرتفعة.

ومن هذا المنطلق، تبدو التحذيرات التي أطلقها النائب عاطف مغاوري، عضو لجنة الشؤون التشريعية والدستورية بمجلس النواب، جديرة بالتوقف عندها، فالرجل لا يرفض الدعم النقدي من حيث المبدأ، بقدر ما يثير مخاوف مرتبطة بواقع اقتصادي يفرض نفسه بقوة، فحين ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من قيمة الدعم، يصبح المواطن أمام معادلة صعبة؛ إذ تتآكل القيمة الحقيقية للمبالغ النقدية تدريجيًا، وتفقد شبكة الحماية الاجتماعية جزءًا من فعاليتها.

القضية هنا لا تتعلق فقط برغيف الخبز أو بآلية صرف الدعم، وإنما ترتبط برؤية اقتصادية أشمل، فالمواطن لا يقيس نجاح السياسات الاقتصادية بالأرقام المعلنة في التقارير الرسمية أو معدلات النمو المستهدفة، بل بما يلمسه يوميًا في قدرته على شراء احتياجاته الأساسية وتوفير حياة كريمة لأسرته. لذلك فإن أي إصلاح اقتصادي لا ينعكس بصورة مباشرة على مستوى المعيشة سيظل محل تساؤل ونقاش.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل قضية المديونية العامة التي تثير قلق العديد من الخبراء والنواب، فالاعتماد المتزايد على الاقتراض قد يوفر حلولًا مؤقتة لتمويل المشروعات وسد الفجوات التمويلية، لكنه يفرض أعباء مستقبلية تتطلب موارد إضافية للسداد وخدمة الدين، ومن ثم فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على زيادة الإنتاج المحلي، وتوسيع القاعدة الصناعية، وتشجيع الاستثمار المنتج القادر على خلق فرص عمل وتعزيز موارد الدولة بشكل مستدام.

كما أن الدور الرقابي للبرلمان يظل عنصرًا أساسيًا في هذه المرحلة، فالمتابعة الدقيقة لتنفيذ الموازنة ومراقبة أوجه الإنفاق وتقييم نتائج السياسات الاقتصادية ليست مجرد أدوات دستورية، بل ضمانة لحماية المال العام والتأكد من أن برامج الدعم والتنمية تحقق أهدافها الفعلية على أرض الواقع.

وفي تقديري، فإن نجاح الدعم النقدي لن يتحقق بمجرد استبدال سلعة بمبلغ مالي، وإنما يتطلب منظومة متكاملة تشمل ضبط الأسواق، ومراقبة الأسعار، وربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم، وتوسيع الإنتاج المحلي، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية. فبدون هذه العناصر قد يتحول الدعم النقدي إلى أرقام تفقد قيمتها مع مرور الوقت، بينما يبقى المواطن في مواجهة الضغوط المعيشية نفسها.

وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: هل تستطيع الحكومة توفير الضمانات الكافية لحماية القوة الشرائية للدعم النقدي؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كان التحول المرتقب يمثل إصلاحًا حقيقيًا يحقق العدالة الاجتماعية، أم مجرد تغيير في شكل الدعم دون تأثير ملموس على حياة المواطنين.