رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الحفاوة التي استُقبل بها الرئيس الإيراني في باكستان خلال زيارته الأخيرة. 
لم تكن تبدو وكأنها مراسم استقبال دبلوماسية تقليدية لرئيس دولة مجاورة، بل بدت أقرب إلى احتفال سياسي بانتصار استراتيجي على الكيان الإسرائيلي في أعقاب الحرب الأمريكية الإيرانية.
فخلال لقائه بالرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، قال قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير: «لقد لقنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية إسرائيل درسًا عظيمًا في تلك الحرب». ولم يكن هذا التصريح مجرد مجاملة بروتوكولية، بل رسالة سياسية مدروسة تعكس حجم التحول الجاري في موازين القوى الإقليمية.
وبالتزامن مع ذلك، يواصل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إطلاق الرصاص السياسي على نتنياهو، من سويسرا 
عندما يقول: «أنا أحب باكستان»، ثم يتابع: «لدي شخصان مهمان جدًا في حياتي، أحدهما هندي والآخر باكستاني؛ الهندية هي زوجتي، والباكستاني هو المشير عاصم منير».
في عالم السياسة لا تُقرأ مثل هذه العبارات باعتبارها مجاملات شخصية عابرة، بل باعتبارها إشارات سياسية تحمل دلالات تتجاوز الكلمات نفسها، خصوصًا عندما يكون المقصود بها جنرالًا ارتبط اسمه بمواقف شديدة العداء  ضد تل أبيب. 
ولم يتحمل اللوبي الصهيوني هذا الغزل السياسي طويلًا، فخرج المحلل السياسي الصهيوني بن شابيرو منتقدًا تصريحات جي دي فانس
مذكرًا بأن المشير عاصم منير سبق أن دعا إلى تدمير إسرائيل، في محاولة واضحة للتحذير من خطورة الرسائل التي تُبعث إلى تل أبيب من داخل واشنطن نفسها.
في الواقع، تنظر باكستان إلى ما تعتبره انتصارًا إيرانيًا في معركة الأربعين يوم ضد نتنياهو 
باعتباره انتصارًا شخصيًا لها أيضًا. فهي لم تنسَ أن إسرائيل ساهمت وقدمت الدعم للهند خلال حرب مايو 2025 ضد باكستان. ولذلك تبدو إسلام آباد اليوم وكأنها ترد الصاع صاعين، مستفيدة من ظرف إقليمي ودولي لا يمنح إسرائيل الكثير من خيارات الرد، 
في ظل عزلتها المتزايدة وتراجع قدرتها على حشد التأييد الدولي كما كان يحدث في السابق.
ويزداد المشهد تعقيدًا بعد إقرار مجلس الشيوخ الأمريكي امس تشريعًا يقيد قدرة ترامب على شن أي عمل عسكري جديد ضد إيران من دون تفويض من الكونغرس، وهو قرار حمل دلالات سياسية تتجاوز نصوصه القانونية. فبموجبه، إذا قرر ترامب تنفيذ هجوم جديد ضد إيران، فلن يكون قادرًا على الاستناد بسهولة إلى الصلاحيات التنفيذية الطارئة .

ولم يخفِ ترامب استياءه من القرار،
فوصف صباح اليوم ما حدث بأن مجلس الشيوخ قدم يد العون للعدو الإيراني، وأن هؤلاء صعّبوا مهمته في توقيت بالغ الحساسية من المفاوضات الجارية.
وحسب هذه المعطيات، يمكن الذهاب إلى أن إيران باتت تمارس تأثيرًا سياسيًا متصاعدًا على المشهد الأمريكي الداخلي. فتمرد عدد من الجمهوريين على رئيس ينتمي إلى حزبهم لا يمكن فصله عن إدراكهم أن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة، وأن واشنطن اضطرت إلى تقديم تنازلات لطهران من أجل إعادة الحياة إلى الملاحة في مضيق هرمز.

فالسفن التي تعبر المضيق الآن تفعل ذلك في ظل واقع جديد فرضته نتائج الحرب. وقد دفع ترامب، مقابل استقرار هذا الممر الحيوي، ما يقارب ستة مليارات دولار من الأموال المجمدة إلى جانب إعفاءات من العقوبات، وهو ما يراه كثيرون ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا لعبور آمن لا يمكن لواشنطن الاستغناء عنه.
ولهذا السبب تحديدًا، اختار كثير من أعضاء الكونغرس وضع قيود على صلاحيات الحرب، ليس حبًا في إيران، بل خوفًا على مستقبلهم السياسي. فهم يدركون أن أي انفجار جديد في المنطقة قد يتحول إلى كارثة انتخابية خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل. 
إنه مشهد غير مسبوق؛ فإيران تتحول من دولة كانت هدفًا للضغوط القصوى إلى لاعب قادر على التأثير في الحسابات السياسية والاقتصادية الأمريكية. فحتى البنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يجد نفسه أمام ضغوط تضخمية تفاقمت بفعل الاضطرابات التي رافقت الحرب جعلته عاجزا عن خفض أسعار  الفائدة .
ومن هنا تكتسب تصريحات ترامب الاخيرة اهمية استثنائية عندما تحدث عن نفاد احتياطياته النفطية خلال أربعة أسابيع. فهذه العبارة، تكشف حجم القلق الذي يسيطر على دوائر القرار الأمريكية بشأن أمن الطاقة واستقرار الأسواق.
فحين تصبح الطاقة نقطة ضعف، يتحول عامل الزمن إلى حليف استراتيجي لطهران. وعندها لا تحتاج إيران إلى خوض معارك إضافية؛ يكفيها الانتظار بينما تتراكم الضغوط الاقتصادية والسياسية على خصومها.
وهذا ما يبدو أنه يحدث بالفعل. فحتى مجرد التلويح بالانسحاب من المفاوضات أو إعادة إغلاق مضيق هرمز بات كافيًا لإثارة المخاوف داخل واشنطن، لأن أي قفزة جديدة في أسعار الطاقة  ترتد مباشرة على شعبية الإدارة الأمريكية وتضعها في مواجهة غضب المؤيدين قبل الخصوم.
لذلك يمكن القول إن أداء الوفد الإيراني في سويسرا عكس مستوى عاليًا من الثقة بالنفس والقدرة على إدارة التفاوض من موقع القوة. فقد وصل الإيرانيون بشروطهم، وأجبروا الأمريكيين على الانتظار، ورفضوا حتى المصافحة الرمزية، وتمسكوا بمطالبهم، وغادروا فور عودة لغة التهديد إلى طاولة الحوار.
كان المشهد أقرب إلى درس متكامل في الضغط النفسي والدبلوماسي؛ كل خطوة محسوبة، وكل إشارة مدروسة، وكل موقف مرسوم بعناية. وكأن الإيرانيين كانوا يتحركون على رقعة شطرنج بعدة نقلات إلى الأمام، بينما خصومهم يحاولون فقط تجنب الخسارة التالية

لذلك لا عجب أن يعلن دي فانس عن حبه لباكستان وللجنرال الذي هدد بتدمير إسرائيل؛ فهذا الغزل السياسي يعكس رغبة واشنطن في إيجاد مخارج ديبلوماسية تُنقذ ما يمكن إنقاذه والتراجع خطوة للوراء بعيداً عن مستنقع حرب استنزاف جعلت البيت الأبيض يقف على حافة الهاوية 
في لحظة انهار فيها التحالف الذي أطلق الغضب الملحمي على إيران تحت وطأة الفشل في تحقيق أهداف الحرب، فجاءت النهاية قاسية على إسرائيل. فبعد عقود من الاعتماد على المظلة الأمريكية، وجدت نفسها للمرة الأولى تخوض معركة وجودية بينما تتراجع واشنطن خطوات إلى الخلف،
وتجبرها علي التوقف في لبنان .
تاركة نتنياهو يواجه بمفرده نتائج حرب لم تسر كما خُطط لها.
فلم تكن هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة في الشرق الأوسط، بل كانت زلزالاً جيوسياسي انتهي  بارتباك في ردهات سويسرا، وبانكسارٍ مدوٍ على شواطئ مضيق هرمز. تفرض فيه طهران شروط العبور الآمن .
إنها النهاية القاسية لتحالفٍ ظنّ أنه لا يُقهر، ليجد نفسه أخيراً أمام حقيقة تاريخية صارخة: عندما تتراجع الإمبراطوريات لإنقاذ نفسها، فإن أول من يُقدم 
قربانا على مسرح المصالح.. هم الحلفاء الذين لم يتعلموا القراءة من دفاتر التاريخ