حين يذكر رواد الدراسات العربية الحديثة فى الغرب، يبرز اسم البروفيسور بيير كاكيا بوصفه واحداً من أكثرهم قرباً من روح الثقافة المصرية وأعمقهم فهماً لتحولاتها. فلم يكن كاكيا مستشرقاً بالمعنى التقليدى الذى ينظر إلى الشرق من وراء حواجز اللغة أو التاريخ، بل كان ابناً لتجربة مصرية عاش تفاصيلها، وأدرك مبكراً أن الأدب المصرى لا يختزل فى النصوص الكلاسيكية وحدها، بل يمتد إلى الأزقة والمقاهى والأسواق والأغانى الشعبية والحكايات التى تتناقلها الأجيال.
ولد بيير كاكيا فى الفيوم يوم 30 أبريل 1921 لأب من أصول مالطية وأم روسية، وقضى سنوات نشأته فى صعيد مصر، حيث تشكلت صلته المبكرة بالحياة المصرية ولغتها وثقافتها الشعبية. واصل مسيرته الأكاديمية فى بريطانيا ثم فى الولايات المتحدة، حيث أصبح أستاذاً للدراسات العربية فى جامعة كولومبيا. وقد جمع فى تكوينه العلمى بين المعرفة الدقيقة بالتراث العربى والحس النقدى الحديث، فكان قادراً على بناء جسر متين بين الثقافتين العربية والغربية.
تجلت ريادة كاكيا بصورة خاصة فى دراساته للأدب الشعبى المصرى. ففى وقت كان كثير من الباحثين يعدون الأدب الشعبى مادة هامشية لا تستحق الدراسة الجادة، أدرك هو أن الوجدان الحقيقى للشعوب يتجلى فى حكاياتها الشفوية وأغانيها وسيرها الشعبية. ومن خلال أعماله الرائدة حول الحكاية الشعبية والأغنية العامية والسيرة البطولية، أسهم فى ترسيخ الأدب الشعبى بوصفه حقلاً أكاديمياً مستقلاً، وكشف عن قيمته بوصفه سجلاً حياً للذاكرة الجماعية المصرية.
ولم يكن اهتمامه بالأدب الشعبى مجرد جمع للنصوص أو توثيق للروايات، بل سعى إلى فهم السياقات الاجتماعية والثقافية التى أنتجتها. ولذلك جاءت دراساته بعيدة عن النظرة الفولكلورية السطحية، ومشبعة بإدراك عميق للعلاقة بين الأدب والحياة اليومية.
غير أن إسهام كاكيا الأبرز فى تاريخ النقد العربى الحديث يتمثل فى كتابه المبكر عن طه حسين: طه حسين ومكانته فى النهضة الأدبية المصرية. فقد كان هذا العمل من أوائل الدراسات الأكاديمية الغربية.
وإن كان من ملاحظة نقدية تسجل على عمل كاكيا، فهى أنه لم يطور إطاراً نظرياً صريحاً يعالج علاقات السلطة والتهميش. فهو لم يكن ناقداً ما بعد كولونيالى على نمط إدوارد سعيد؛ إذ لم يؤسس عمله على رؤية أيديولوجية، بل على انغماس تجريبى دقيق. ومع ذلك، فإن هذه الكلاسيكية المنهجية هى بالذات ما يمنح أعماله قدراً من الاستمرارية والصلابة.
وخلاصة القول إن بيير كاكيا ينبغى تذكره لا بوصفه مؤرخاً كبيراً للأدب العربى فحسب، بل أيضاً كمحرر لحدوده. لقد أعاد بحثه فى التقاليد الشعبية، وبخاصة الموال المصرى، رسم معالم قانون الأدب العربيcanon، وفتح الباب أمام الدراسة الجادة للعامية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض