رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

في ذكرى رحيله.. كيف صنعت عشرة قروش بداية رحلة الشيخ محمد صديق المنشاوي؟

محمد صديق المنشاوي
محمد صديق المنشاوي

الشيخ محمد صديق المنشاوي كان مدرسةً متفردة في التلاوة والخشوع، وأميرًا لدولة التلاوة، وصوتًا استثنائيًا استطاع أن يعبر حدود الزمان والمكان ليصل إلى قلوب المسلمين في شتى أنحاء العالم، وبعد أكثر من نصف قرن على رحيله، لا يزال اسمه حاضرًا بقوة في ذاكرة محبيه، باعتباره أحد أعلام دولة التلاوة في مصر والعالم الإسلامي.
 


واليوم يحتفي العالم الإسلامي بذكرى وفاته، فقد انتقل إلى رحمة الله يوم الجمعة في 20 من يونيو 1969م،عن عمر ناهز 49 عامًا، بعد رحلة قصيرة في العمر لكنها عظيمة في الأثر.

نشأة في "بيت القرآن"

وُلد الشيخ محمد صديق السيد تايب المنشاوي بمدينة المنشأة بمحافظة سوهاج في 20 يناير عام 1920، داخل أسرة عُرفت بحملها لراية القرآن الكريم عبر أجيال متعاقبة.

 فقد كان جده وجده الأكبر من أشهر قراء الصعيد، كما كان والده الشيخ صديق المنشاوي، الملقب بـ"أمين القراءات"، أحد أبرز أعلام التلاوة في عصره.

نشأ الشيخ الصغير وسط أجواء قرآنية خالصة، فكان ملازمًا لوالده منذ طفولته، وحفظ أجزاءً من القرآن في سن مبكرة، ثم تتلمذ على يد عدد من كبار علماء القراءات، ليصقل موهبته الفطرية بعلمٍ راسخٍ وأداءٍ متقن.

أول أجر.. عشرة قروش صنعت البداية

بدأت رحلة الشيخ مع التلاوة مبكرًا، وكانت أولى حفلاته في إحدى قرى مركز إخميم بمحافظة سوهاج، وهو لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره، وحصل حينها على أول أجر مقابل تلاوته، وكان عشرة قروش فقط، لكنها كانت بداية مسيرة استثنائية ستجعله لاحقًا واحدًا من أشهر قراء القرآن في العالم.

ومع مرور السنوات، ذاع صيته في محافظات الصعيد، حتى أصبح اسمه مطلوبًا في المناسبات الدينية الكبرى، بفضل صوته العذب وأدائه المؤثر الذي جذب القلوب قبل الآذان.

الإذاعة المصرية ذهبت إليه

<strong>محمد صديق المنشاوي</strong>
محمد صديق المنشاوي

لم يكن الوصول إلى الإذاعة المصرية حلمًا يسعى إليه الشيخ، بل كانت الإذاعة هي التي سعت إليه.،ففي أوائل خمسينيات القرن الماضي، سمع مسؤولو الإذاعة عن موهبته الفريدة، وحاولوا استدعاءه إلى القاهرة، لكنه رفض مغادرة الصعيد خلال شهر رمضان.

وأمام هذا الرفض، أرسلت الإذاعة فريقًا كاملًا من القاهرة إلى مدينة إسنا بالأقصر لتسجيل تلاوته. وبعد عرض التسجيلات على لجنة متخصصة، تم اعتماد محمد صديق المنشاوي قارئًا رسميًا بالإذاعة المصرية عام 1953 ضمن فئة كبار القراء.

ومنذ ذلك الحين، أصبح صوته ضيفًا دائمًا على المستمعين، خاصة في تلاوات يوم الأربعاء، حتى لُقب بين جمهوره بـ"صديق الأربعاء".

من القاهرة إلى العالم الإسلامي

استقر الشيخ في القاهرة بعد نجاحه الإذاعي الكبير، لتصبح العاصمة نقطة انطلاقه إلى مختلف دول العالم الإسلامي، وكانت إندونيسيا أولى محطاته الخارجية عام 1955، ثم توالت رحلاته إلى سوريا والعراق والأردن والسعودية وليبيا والجزائر وغيرها.

وتُعد قراءته في المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى من أبرز المحطات في حياته، حيث ارتبط ارتباطًا خاصًا بالقدس والمسجد الأقصى، الذي وصفته أسرته بأنه كان من أحب الأماكن إلى قلبه.

القارئ الباكي وصوت الخشوع

<strong>محمد صديق المنشاوي</strong>
محمد صديق المنشاوي

عُرف محمد صديق المنشاوي بلقب "القارئ الباكي"، بسبب ذلك الإحساس العميق الذي كان يملأ تلاوته. فكان صوته يحمل مزيجًا نادرًا من القوة والعذوبة والحزن الشفيف، حتى إن كثيرين كانوا يبكون بمجرد الاستماع إلى تلاوته.

ورأى نقاد ومؤرخون أن سر تميزه لم يكن في جمال الصوت فقط، بل في قدرته الفريدة على نقل معاني الآيات إلى المستمع، وكأن القرآن يتحدث مباشرة إلى القلوب.

رحلة البحث عن الكمال

في عام 1965 سجل الشيخ المصحف المرتل كاملًا، وهو الإنجاز الذي اعتبره كثيرون واحدًا من أعظم التسجيلات القرآنية في التاريخ الحديث.

لكن المفاجأة أن الشيخ لم يكتفِ بإشادة لجنة المراجعة، بل طلب بنفسه إعادة تسجيل 32 شريطًا من المصحف، رغم خلوها من الأخطاء، لأنه رأى أنه قادر على تقديم أداء أفضل يحقق ما وصفه بـ"الكمال المنشود".

ولم يطلب أي مقابل مادي لإعادة التسجيل، بل تعهد بتحمل نفقات لجنة المراجعة من ماله الخاص، في موقف يعكس مدى إخلاصه وإتقانه لفن التلاوة.

أبٌ حريص على العلم والقرآن

تزوج الشيخ مرتين، ورُزق بـ12 ابنًا وبنتًا، ورغم أنه لم يتلق تعليمًا نظاميًا، فإنه كان شديد الحرص على تعليم أبنائه وإلحاقهم بالمدارس، كما كان يشجعهم على حفظ القرآن الكريم ويمنحهم مكافآت تحفيزية.

ورغم مكانته الكبيرة، لم يتجه أي من أبنائه إلى احتراف التلاوة، إذ كانت الأسرة ترى أن تجربة والدهم كانت استثنائية يصعب تكرارها.

رحيل مبكر ووداع مؤثر

<strong>محمد صديق المنشاوي</strong>
محمد صديق المنشاوي

في سنواته الأخيرة، عانى الشيخ من مرض دوالي المريء، ونصحه الأطباء بالتوقف عن إجهاد صوته، لكنه استمر في تلاوة القرآن حتى قبل وفاته بشهرين فقط.

وكان خبر وفاته صادمًا لملايين المستمعين في مصر والعالم العربي، حتى إن كثيرًا من محبيه لم يتمالكوا دموعهم عندما أُعلن نبأ رحيله عبر الإذاعة المصرية.

إرث لا يزال حيًا

رغم مرور عقود طويلة على وفاته، ما زالت تلاوات محمد صديق المنشاوي تتردد في المساجد والبيوت والإذاعات والمنصات الرقمية حول العالم. ويظل صوته الخاشع حاضرًا في وجدان أجيال متعاقبة، باعتباره أحد أعظم من قرأ القرآن الكريم في العصر الحديث.