كنت قاعد في الصالة الأسبوع اللي فات وسامع أمي وأخويا الكبير، اللي كان نزل في ثورة 30 يونيو 2013، بيتكلموا ويدردشوا عن الأيام الصعبة اللي عشناها قبل ثورة 30 يونيو وأيام حركة تمرد، الحوار أخدني ورجعني لأيام كنا بنموت فيها من القلق وكلامهم كان طالع من القلب وبيعبر عن وجع حقيقي عشناه.
أمي بدأت الكلام وهي بتتنهد وتفتكر أيام الخنقة وتفاصيل البيت، وقالت له:
يا ابني دي كانت أيام تشيب وكنت أنزل أشتري طلبات البيت ألاقي الأسعار بتطير كل يوم، والسلع الأساسية مش موجودة وكمان رغيف العيش التمويني اللي كنا بنجيبه بالعافية وبقى قليل ومستواه يقرف، ده غير إنهم كانوا بيستخدموا التموين وزيت وسكر في الانتخابات عشان يلموا أصوات، ونسيت طوابير البنزين والسولار اللي كانت بتقفل الشوارع بالساعات والبلد كلها واقفة ومفيش حركة؟
أخويا رد عليها وقال لها:
يا أمي ده إحنا كشباب كنا حاسين إن البلد بتضيع، البطالة زادت والنمو الاقتصادي كان ميت، وأحلامنا في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية اللي نزلنا عشانها في 25 يناير اتبخرت، والكهرباء اللي كانت بتقطع كل شوية دي خربت بيوت صحابنا اللي عندهم ورش ومصانع وعطلت حياة الناس كلها لأول مرة في تاريخنا بالشكل ده، وده غير إن ديون البلد زادت بأكثر من 23% في سنة واحدة، والاحتياطي النقدي طار، والمواصلات كانت باظت خالص، وفاكرة حادثة قطر أسيوط اللي مات فيها 50 طفل بريء؟ مفيش حاجة كانت ماشية صح.
أمي هزت رأسها وقالت: والأمان يا ابني؟ الأمان اللي كان مختفي والجريمة اللي زادت في الشوارع وخوفنا عليكم كل ما تخرجوا، والإرهاب اللي ظهر فجأة في سيناء وموت 16 من ولادنا في الجيش والشرطة بعد ما أفرجوا عن مساجين متطرفين وجماعات تكفيرية، وكمان المصايب والدم اللي حصل في بورسعيد والسويس، والناس اللي انضربت واتقتلت قدام قصر الاتحادية بالسلاح والخرطوش من غير ما حد يحميهم، والحمد لله إن القضاء حكم بعد كده بسجن مرسي وقياداتهم 20 سنة على اللي عملوه.
أخويا كمل كلامه وقال: هو ده بالظبط اللي خلا الناس تضيق بيهم يا أمي، قسموا المجتمع وفطنوا الناس، ده مؤيد وده معارض، وطلعوا يكفروا في خلق الله ويستعلوا على المجتمع وكأنهم هما بس المسلمين، وعلشان يسيطروا دخلوا في خناقة مع كل مؤسسات البلد وحاصروا القضاء وعزلوا النائب العام وحاولوا يمشوا آلاف القضاة الكبار في السن عشان يجيبوا رجالتهم، وحتى المحكمة الدستورية العليا حاصروها ومنعوا المستشارين يدخلوا عشان يعطلوا الأحكام، والإعلام والصحافة قعدوا يحاربوا فيهم وعايزين يخونوهم بالعافية، وفي نفس الوقت تلاقيهم ضعاف جداً قدام الضغوط الدولية وماشيين من غير رؤية ومتمسكين بحكومة هشام قنديل الضعيفة اللي مكنش حد طايقها.
أمي قالت له: والله يا ابني وأنا بتفرج على التلفزيون وقتها كنت بموت من الكسوف، فاكر الفضيحة بتاعة قعدة سد النهضة لما أذاعوا الاجتماع السري على الهواء وهددوا بضرب السد؟ بوخوا علاقتنا بإفريقيا وإثيوبيا، وصغروا دور مصر قدام الدول العربية كلها، ده حتى هويتنا وثقافتنا كانوا عايزين يغيروها ويمنعوا الباليه في الأوبرا ويمشوا أهل الثقافة والنور ويسودوا الدنيا.
أخويا كمل وقال لها: بس عارفة يا أمي وسط كل السواد ده ولما قفلوا كل الأبواب في وشنا، طلعت فكرة حركة تمرد والشباب نزلوا الشوارع والميادين بورقة وقلم، والناس كانت بتجري عليهم عشان تمضي على الاستمارات، الحركة دي كانت طوق النجاة لأنها جمعت توقيعات بالملايين من كل بيوت مصر، ووحدت الشارع كله على كلمة واحدة 'إحنا مش عايزينكم' تمرد دي هي اللي نظمت الغضب اللي جوانا وحولته لحركة شعبية حقيقية هزت الكرسي تحتهم، ومهدت لكل اللي حصل بعد كده.
أمي عيونها لمعت وافتكرت وقالت له:
يااااه يا ابني دي كانت أيام تخوف وتبهر في نفس الوقت فاكرة يوم 30 يونيو لما نزلنا، الشوارع مكنتش مكفية الناس، ملايين في كل المحافظات، أسر كاملة بأطفالها وكبارها، نزلنا شايلين أعلام مصر وبنطالب بانتخابات رئاسية مبكرة وإنقاذ البلد من النفق المظلم ده. الثورة دي كانت المعجزة اللي رجعت لنا روحنا.
أخويا رد عليها وعلامات الفخر والجدية على وشه:
أيوا يا أمي والجميل والمبهر فعلاً هو وعي الناس الشعب نفسه هو اللي حمى ثورته بوجوده السلمي والمكثف في الميادين ليل مع نهار، ومداش فرصة لأي حد يجر البلد لتخريب أو حرب أهلية، وعشان كده الجيش استجاب فوراً للإرادة الشعبية الجارفة دي وفاكرة يوم 3 يوليو بالليل لما قعدنا كلنا قدام التلفزيون والقلوب في إيدينا، وطلع الفريق أول عبد الفتاح السيسي يلقي بيان القوات المسلحة بمشاركة شيوخ الأزهر والكنيسة وقادة الحركات السياسية؟
أمي قطعت كلامه وقالت بلهفة: فاكرة طبعاً يا ابني!
ده كان يوم تاريخي، السيسي وقتها قال كلام يبرد القلب، أكد فيه إن القوات المسلحة مكنش ينفع تصم آذانها أو تغض الطرف عن حركة الجماهير وهتافها، وإن الجيش استدعى دوره التاريخي تلبية لنداء الشعب وليس رغبة في سلطة أو حكم، ولمح في خطابه لخارطة المستقبل اللي وضحت تعطيل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية، يومها حسيت إن الغمة انزاحت، وإن إرادة الناس هي اللي انتصرت والبلد رجعت لينا من تاني.
أخويا لخص الموضوع في الآخر وقال لها:
عارفة ليه كل ده حصل في النهاية؟ عشان الجماعة دي معندهاش فكرة يعني إيه دولة، هما فاهمين التمكين يعني يتمكنوا هما من الكرسي ويحكموا التنظيم مش يخدموا المجتمع، وفضلوا عايشين بعقلية السرية والعمل تحت الأرض واللاشريعية، وعشان كده أول ما دخلوا في صدام مع الدولة ومؤسساتها انهاروا تماماً، واتقفلت جمعياتهم ومدارسهم اللي كانوا بيستغلوا بيها الناس، هما ضيعوا نفسهم وضيعوا الدعوة في اللعب بالسياسة، ولما اتزنقوا قلبوا لدموية وتفجيرات وذبح، وقعدوا ينشروا شائعات وأكاذيب على البلد ومشاريعها. بجد كانت سنة سودة والحمد لله إننا خلصنا منها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض