رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

نقطة التحول الكبرى

الهجرة النبوية.. دروس خالدة فى الإيمان والصبر وبناء المجتمعات

بوابة الوفد الإلكترونية

لم تكن الهجرة النبوية قبل 1448 سنة للنبى صلى الله عليه وآله وسلم وجموع المهاجرين مجرد انتقال جغرافى من مكان لآخر، بل كانت نقطة فاصلة فى تاريخ البشرية تحول فيها المسلمون من مرحلة الضعف إلى القوة وإلى أمة واحدة قوية، وكان أمر الله سبحانه وتعالى لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه، بالهجرة لترك دار الكفر والضلال والتوجه إلى دار الإسلام والقيم الشرعية مع ترك الظلم والعبودية والعيش فى أمان ومساواة، وعلى الرغم من تركهم أموالهم وديارهم فى مكة خلف ظهورهم إلا أن لهذه التضحية الكبيرة أثر جليل وواضح فى حياتهم فيما بعد، فأصبحت حياة يحكمها دستور واحد يتسم بالعدل والأمانة، فقال سبحانه: {وَأذكُرُوا نِعمَتَ اللَّهِ عَلَیكُم إِذ كُنتُم أَعدَاء فَأَلَّفَ بَینَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانا}.

 

دروس الهجرة النبوية

 

قال الدكتور مجدى عاشور، مستشار مفتى الجمهورية سابقًا، إن الهجرة النبوية تحمل فى طياتها دروس عملية كثيرة، فمعناها وهدفها لا يتوقف فقط عند الانتقال من مكان إلى آخر بل يشمل أفكار أعمق من ذلك، فهى هجرة النفس البشرية من الخطأ إلى الصواب ومن الغفلة إلى الذكر.

وأوضح «عاشور»، أن من أهم الدروس المستفادة من الهجرة النبوية هى تعلم صدق التوكل على الله سبحانه وتعالى مع الأخذ بالأسباب، مشيرًا إلى أن ذلك ظهر جليًّا فى تخطيط النبى صلى الله عليه وسلم للهجرة المباركة.

وأضاف أن الهجرة النبوية تعلمنا أهمية المؤاخاة والوفاء، فينبغى على المسلم ألا يترك أخيه عند الحاجة إليه، واستشهد بما ورد عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّه أَرادَ أَنْ يَغْزُوَ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ والأنصارِ، إِنَّ مِنْ إخْوَانِكُم قَوْمًا لَيْس لهمْ مَالٌ وَلا عَشِيرَةٌ، فَلْيَضُمَّ أَحَدُكم إِليْهِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلاثَةَ».

ويقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه»، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضًا: «مَن نفَّس عن مؤمنٍ كُرْبَةً من كُرَب الدنيا نفَّس الله عنه كُرْبَةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومَن يسَّر على مُعْسِرٍ يسَّر الله له فى الدنيا والآخرة، ومَن ستر مُسلمًا ستره الله فى الدنيا والآخرة، والله فى عون العبد ما كان العبدُ فى عون أخيه».

وأكد مستشار مفتى الجمهورية سابقًا، أن الهجرة الحقيقية تعنى هجر الإنسان لكل ما يغضب الله سبحانه، وكل ما نهى عنه عز وجل، أى أن المسلم يهجر المعصية ويذهب إلى الطاعة، ويترك الغفلة إلى الذكر، والتعلق بالخلق إلى التعلق بالخالق وحده.

وأشار «عاشور» إلى أن الهجرة النبوية المباركة قدمت نموذجًا فريدًا جمع بين عمل المسلم وسعيه واعتماده على الله سبحانه وتعالى فى نفس الوقت، موضحًا أن طريق الصلاح والتقوى والهداية يحتاج إلى انتقال مستمر من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام آخر.

 

الهجرة النبوية وبناء الإنسان

 

قال الدكتور مختار عبدالله، الأستاذ بجامعة الأزهر الشريف، إن الهجرة النبوية المباركة مشروع متكامل لبناء دولة إنسانية إسلامية جديدة، إذ أعادت الهجرة بناء الإنسان وعملت على تشكيل عقله وقلبه ليمتلئ بالحكمة والعدل والتفكير الصحيح تجاه الفرد والمجتمع.

وأكد «عبدالله»، أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم هاجر من مكة المكرمة بعدما قضى سنوات طويلة من الأذى والحصار والدمار والتكذيب بنبوته، صلوات الله وسلامه عليه، حتى وصل بهم الأمر إلى الاتفاق على قتله، إلا أنه قابل كل ذلك الشر بسماحة وأخلاق عالية يتصف بها وحده، ويتجلى ذلك حين أمر الإمام على بن أبى طالب، رضى الله عنه، بالبقاء فى مكة لرد الأمانات إلى أصحابها.

وأوضح أن هذه الأمانات كانت فى حوزة النبى صلى الله عليه وسلم نفسه، وهذا دليل على ثقة الكثيرين من أهل مكة به، إذ أنه اشتهر بينهم بالصادق الأمين، فكان مبدأه الأمانة وعدم خلط الخصومة برد الحقوق مهما بلغ حجم الخلاف والأذى، حيث قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»، وكذلك قوله سبحانه: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى».

وأضاف أن أمانة النبى صلى الله عليه وآله وسلم ورده للحقوق دليل على الرد على من يدعى أن هجرته، صلوات الله وسلامه عليه، كانت لاستحلال أموال الناس وممتلكاتهم، مشيرًا إلى أن الهجرة كانت لبناء دولة قوية متماسكة بها دستور واضح وليس للانتقام أو السلب أو الاعتداء.

 

الهجرة النبوية ونقطة التحول من الاضطهاد للبناء

 

قال محمد أنور، إمام وخطيب ومدرس بالأوقاف، إن الهجرة النبوية الشريفة تُعد من أعظم الأحداث فى تاريخ الإسلام، فقد كانت نقطة التحول الكبرى التى انتقل فيها المسلمون من مرحلة الاستضعاف والاضطهاد إلى مرحلة بناء الدولة الإسلامية ونشر رسالة الإسلام.

وأوضح «أنور» أن الهجرة وقعت فى السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، الموافق لعام 622م، واتخذها المسلمون بدايةً للتقويم الهجرى، وكان عمر النبى محمد صلى الله عليه وسلم عند الهجرة ثلاثًا وخمسين سنة، بعد أن قضى ثلاث عشرة سنة يدعو قومه إلى عبادة الله تعالى وحده ويتحمل ما لقيه من أذى واضطهاد.

وأضاف أن الهجرة جاءت نتيجة اشتداد أذى المشركين للمسلمين فى مكة المكرمة، ومنعهم من ممارسة شعائر دينهم بحرية، فكان لا بد من الانتقال إلى مكان آمن يمكن أن تنطلق منه الدعوة الإسلامية، وقد هيأ الله تعالى لذلك أهل المدينة المنورة الذين استقبلوا النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالترحاب والنصرة، فكانت الهجرة بداية مرحلة جديدة من القوة والاستقرار للمسلمين.

وأشار خطيب الأوقاف إلى أن أهمية الهجرة النبوية تكمن فى أنها تُعلِّم المسلم معانى الإيمان الصادق والصبر والتضحية من أجل العقيدة، كما تؤكد على ضرورة الأخذ بالأسباب والتخطيط الجيد مع التوكل الكامل على الله تعالى، فقد أعد النبى صلى الله عليه وسلم للهجرة إعدادًا دقيقًا، واختار الرفيق والطريق والوقت المناسب، مع يقينه التام بحفظ الله ورعايته.

وأكد أن للهجرة النبوية دور عظيم فى بناء المجتمع الإسلامى، حيث أُسست أول دولة إسلامية فى المدينة المنورة، وآخى النبى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وبنى المسجد ليكون مركزًا للعبادة والعلم والتوجيه، ووضع أسس التعاون والتكافل والعدل بين أفراد المجتمع، مما أسهم فى بناء مجتمع قوى ومتماسك.

وأوضح أن من أهم الدروس المستفادة من الهجرة النبوية الثقة بالله سبحانه وتعالى، والصبر على الشدائد، والثبات على الحق، وأهمية التخطيط والعمل المنظم لتحقيق الأهداف، وقيمة الأخوة والتعاون بين المسلمين، وأن الفرج يأتى بعد الشدة، وأن النصر ثمرة الصبر والثبات، فقال الله تعالى فى سورة البقرة: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.

ونبه على أن هكذا تبقى الهجرة النبوية حدثًا خالدًا فى ذاكرة الأمة الإسلامية، ومصدرًا للعبر والدروس التى يحتاجها المسلمون فى كل زمان ومكان، لما تحمله من معانى التضحية والإخلاص والعمل من أجل رفعة الدين وخدمة المجتمع.