رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يا خبر!

لا أعرف لماذا لم تأخذ حرب الاستنزاف التى خاضها الجيش المصرى بعد نكسة 5 يونيه 1967 حقها من التوثيق والاحتفاء، كونها كانت بداية الانتصارات التى مهدت للانتصار الكبير والعبور فى 6 اكتوبر 1973، أشعر أن هذه الفترة من الحرب على عظمتها وما بها من شجاعة وبطولات وفخر لم تذكر بما يكفي، هذا على الرغم من أن هذه الحرب تحديدا كتب عنها المؤرخون العسكريون الإسرائيليون بأنها كانت قاسية وموجعة لهم وتسببت فى ألما حاول الإعلام العبرى إخفاءه لسنوات.
فى هذا السياق أذكر الكتاب الشهير «حرب الاستنزاف المنسية»، للمؤرخ الإسرائيلى، يوآف جيلبر، القائد السابق للواء المظليين الإسرائيلى والمستشار الأكاديمى بكلية القيادة والأركان الإسرائيلية وأستاذ التاريخ العسكرى فى جامعة حيفا، الكتاب صدر عن دار نشر دبّيير الإسرائيلية، فى أبريل 2017، ونشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية أجزاء منه، يفند الكتاب كيف كبدت حرب الاستنزاف (1968-1970) قوات العدو الإسرائيلى خسائر فادحة مهدت لانتصار الجيش المصرى فى حرب أكتوبر 1973، ووصفها جيلبر بأنها كانت صدمة للإسرائيليين، ويقول فى كتابه: إن الجيش الإسرائيلى أصيب بالغطرسة بعد حرب 1967، لدرجة أن ضباط الجيش الإسرائيلى أصبحوا معروفين لعامة الناس، وكانت تنشر معهم مقابلات أسبوعية فى الصحف وتمادى فى السخرية قائلا: كان لكل فرد فى جيش الدفاع صحفى خاص به ينشر أخبار إنجازاته وبطولاته!! وصدرت الكتب عن الجيش الذى لا يقهر وغمرت ألبومات النصر وسائل الإعلام!، دون اكتراث لخسائر كان الجيش الإسرائيلى قد بدأ يتكبدها مع بداية حرب الاستنزاف التى شنها الجيش المصرى وبدأت بتنفيذ عمليات متواصلة منذ يوليو 1967، وتطورت إلى حرب كاملة، ثابتة وطاحنة منذ مارس 1968، ويعترف جيلبر أن الصحافة الإسرائيلية تعاونت فى ذلك الوقت مع الجيش الإسرائيلى، وشددت الرقابة لعدم نشر أى بيانات حول عدد القتلى والمصابين الإسرائيليين، بل أحيانا كذبت وغيرت الحقائق، مؤكدا أنه منذ مارس 1969، وحتى طوال الصيف، واصل المصريون سلسلة من عمليات القنص وزراعة الألغام والقصف المدفعى، وكل يوم كانت هناك وفيات وإصابات من الجانب الإسرائيلي، ومنذ يونيو إلى أغسطس 1970 فقدت إسرائيل 14 طيارا، خمسة قتلى وتسعة أسرى، كانت حرب قاسية بتكلفة يومية للإصابات فى صفوف الجيش الإسرائيلى وصلت إلى حوالى 378 إسرائيليا ومنذ ذلك الحين ركزت إسرائيل فقط على عرقلة بطاريات الصواريخ المصرية المضادة للطائرات، بينما كان القتلى والمصابون الإسرائيليون، يتساقطون يوما بعد يوم.
يقول جيلبر أنه فى الوقت الذى كان الإسرائيليون يحتفلون فيه بنصر 1967، ويقارنون بين رابين وبرنارد مونتجمرى، الذى كان مشيرا للجيش البريطانى بعد انتصاراته فى الحرب العالمية الثانية، ويتغنون بموشيه دايان، وزير الدفاع وقتذاك والذى حصل على لقب رجل العام، كانت الهجمات المصرية تتصاعد على خط القنال، وفى دراسة استقصائية إسرائيلية شاملة لمطبوعات هذه الفترة الزمنية، يظهر جيلبير كيف تبلور الخطاب فى المجتمع الإسرائيلى أن الجندى الإسرائيلى ذكى ومنضبط ولا يقهر، موضحا أن كل هذا ساهم فى الإفراط فى الثقة بالنفس، واستولى على المجتمع الإسرائيلى وجيشه الشعور بالأفضلية.
بحسب جيلبر فإن حرب الاستنزاف كان من شأنها أن تؤدى إلى صدمة الهزيمة الإسرائيلية يوم 6 أكتوبر 1973، بسبب ازدراء القدرة المصرية، وعدم قراءة الخريطة بشكل واضح، وعدم وجود استراتيجية دفاعية منظمة، والاعتماد المفرط على القوات الجوية والدعم الأمريكى.. ويؤكد المؤرخ الإسرائيلى، الذى عمل كباحث مساعد فى لجنة أجرانات التى شكلتها الحكومة الإسرائيلية عقب الحرب للتحقيق فى الأخطاء التى حدثت، أن الجيش الإسرائيلى كان يعيش فى مرحلة من الفصام، من ناحية، يقولون إن لديه أفضل خطوط دفاعية، ومن ناحية أخرى يتكبد خسائر على الجبهة.. ويؤكد الكاتب الإسرائيلى أن الأمر استغرق وقتا طويلا لكى تفهم إسرائيل أن حرب الاستنزاف هى حرب أخرى، حرب طويلة ومتواصلة، وكانت الخسائر فى المعركة دليلا على أن المصريين يقاتلون بشكل مختلف، وأن إسرائيل لم يكن لديها إنجازات فى هذه المعارك وليس لديها حلول واضحة لصد الهجمات المصرية.
هذه كانت شهادة واحد من أكبر المؤرخين العسكريين الإسرائيليين غير أنه مشارك فى حرب الاستنزاف وحرب السادس من أكتوبر، ألا يثبت هذا أننا وأقصد هنا الإعلام العربى والمصرى تحديدا فى حاجة أكثر للاحتفاء بحرب الاستنزاف؟