الثقة بالنفس والتركيز والطعام المتوازن مثلث النجاح
فى بيتنا «ثانوية عامة»
حالة من الترقب فى المنازل.. والرعب يسيطر على 921 ألف طالب
الدعم النفسى والتشجيع ضرورات لا بد منها مع البعد عن الإحباط والمقارنات
قبل ساعات من إعلان أرقام الجلوس، كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل داخل أحد المنازل المصرية، بينما جلس «أحمد» طالب بالثانوية العامة أمام مكتبه محاطاً بالكتب والمذكرات وأكواب القهوة الباردة. لم يكن يراجع درساً جديداً بقدر ما كان يحاول مقاومة سيل من الأفكار والأسئلة التى تهاجمه مع اقتراب الامتحانات: هل أتذكر كل ما ذاكرته؟، هل سأحقق المجموع الذى أحلم به؟، وكيف سأتمكن من تجاوز تلك الأيام التى ستحدد المستقبل»؟
فى الغرفة المجاورة، كانت والدته تتابع جدول الامتحانات للمرة العاشرة، بينما ينشغل والده بمتابعة الأخبار والتصريحات الرسمية الخاصة باستعدادات وزارة التربية والتعليم لتأمين امتحانات الثانوية العامة.
حالة من الترقب يعيشها ما يزيد على 921 ألف طالب وأسرهم فى مختلف المحافظات، حيث تتحول البيوت إلى ساحات استعداد نفسى وتنظيمى لمعركة يعتبرها كثيرون الأهم فى حياة الأبناء.
فمع بدء العد التنازلى لانطلاق الامتحانات، لا تقتصر الاستعدادات على الإجراءات الأمنية المشددة داخل اللجان والمجمعات الامتحانية التى استحدثتها وزارة التربية والتعليم هذا العام، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى داخل المنازل نفسها، حيث تلعب الأسرة دوراً حاسماً فى تشكيل الحالة النفسية للطالب. فبين أسرة تمارس ضغوطاً متزايدة بدافع الخوف على مستقبل أبنائها، وأخرى تدرك أهمية الدعم النفسى والتشجيع، يتحدد جزء كبير من قدرة الطالب على التركيز والثبات الانفعالى خلال هذه المرحلة المصيرية.
وفى الوقت الذى تكثف فيه الوزارة إجراءاتها لمواجهة الغش وتحقيق الانضباط داخل اللجان، يؤكد خبراء التربية والصحة النفسية والعلاقات الأسرية أن النجاح لا يعتمد فقط على ما يحدث داخل قاعة الامتحان، وإنما يبدأ من البيت، من الكلمات التى يسمعها الطالب يومياً، ومن الأجواء التى يعيشها، ومن قدرة الأسرة على تحويل القلق إلى دعم، والخوف إلى ثقة، والضغوط إلى طاقة إيجابية تساعده على عبور واحدة من أكثر المحطات أهمية فى حياته.
سلوكيات خاطئة
وبشأن السلوكيات الخاصة التى تحدث داخل الأسرة وهو ما ينعكس على مستوى الطالب خلال تأدية الامتحانات، أكدت الدكتورة ياسمين جمال، استشارى الصحة النفسية، أن فترة امتحانات الثانوية العامة تمثل واحدة من أكثر المراحل حساسية فى حياة الطالب والأسرة على حد سواء، مشيرة إلى أن بعض الأسر تمارس سلوكيات خاطئة داخل المنزل بدافع الحرص والخوف على مستقبل الأبناء، لكنها فى الواقع تؤثر سلباً على الحالة النفسية للطالب وتنعكس على مستوى التركيز والتحصيل الدراسى، وقد تؤدى فى النهاية إلى نتائج أقل من المتوقع.
وأوضحت أن من أبرز هذه السلوكيات المبالغة فى الضغط النفسى على الطالب من خلال التذكير المستمر بأهمية الامتحان وربط مستقبله بالكامل بالمجموع النهائى. هذا الأسلوب يرفع معدلات القلق والتوتر ويجعل الطالب يعيش فى حالة خوف دائم من الفشل، ما يؤثر على قدرته على الاستيعاب واسترجاع المعلومات أثناء الامتحان.
وأضافت أن المقارنات المستمرة بين الطالب وأشقائه أو زملائه من أكثر الممارسات ضرراً، حيث يشعر الطالب بأنه محل تقييم دائم، ما يضعف ثقته بنفسه ويزيد من شعوره بالإحباط والقلق، خاصة إذا كان يبذل بالفعل أقصى ما لديه من جهد.
كما حذرت من تحويل المنزل إلى ما يشبه «غرفة طوارئ»، حيث يسود التوتر والصمت المبالغ فيه وتلغى جميع الأنشطة الأسرية الطبيعية. فهذه الأجواء تجعل الطالب يشعر بأن الامتحانات أزمة كبرى وليست مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها، وهو ما يزيد من الضغوط النفسية عليه.
وأشارت إلى أن توجيه اللوم أو توبيخ الطالب عند حصوله على درجات منخفضة فى الامتحانات التجريبية أو أثناء المراجعات النهائية يمثل خطأ شائعاً، لأن الطالب فى هذه المرحلة يحتاج إلى الدعم والتشجيع أكثر من النقد، خاصة أن الثقة بالنفس تلعب دوراً مهماً فى الأداء الأكاديمى.
ومن السلوكيات السلبية أيضاً التدخل المفرط فى جدول الطالب اليومى ومراقبته بشكل مستمر، سواء من خلال السؤال المتكرر عن عدد الساعات التى درسها أو متابعة كل تفاصيل يومه. هذا النوع من الرقابة قد يولد شعوراً بالاختناق وفقدان الاستقلالية، ويؤدى إلى نتائج عكسية.
وأكدت الدكتورة ياسمين جمال أن اضطراب مواعيد النوم داخل المنزل أو إجبار الطالب على السهر لساعات طويلة من أجل المذاكرة يؤثر بشكل مباشر على التركيز والذاكرة والقدرة على استرجاع المعلومات، موضحة أن النوم الجيد جزء أساسى من عملية التحصيل الدراسى وليس مضيعة للوقت كما يعتقد البعض.
وشددت على أهمية تجنب نقل مشاعر القلق والخوف من الوالدين إلى الأبناء، فبعض الأسر تتحدث باستمرار عن صعوبة الامتحانات أو فرص القبول الجامعى أو مخاوف المستقبل أمام الطالب، الأمر الذى يزيد من توتره النفسى ويستنزف طاقته الذهنية.
وفى ختام حديثها، أكدت أن أفضل ما يمكن أن تقدمه الأسرة خلال فترة الامتحانات هو توفير بيئة هادئة ومستقرة نفسياً، وإظهار الثقة فى قدرات الطالب، وتشجيعه على بذل أقصى جهده دون مبالغة فى الضغوط أو التوقعات، لأن الدعم النفسى الإيجابى يعد أحد أهم عوامل النجاح والتفوق خلال هذه المرحلة المهمة.
ما يجب أن يكون
وبعد كل هذه السلبيات يطرح السؤال نفسه ماذا ينبغى أن يكون داخل الأسرة؟، وما السلوكيات الواجب اتباعها؟
أجابت عن هذه التساؤلات دينا عاطف، استشارى العلاقات الأسرية، مشيرة إلى أن نجاح طالب الثانوية العامة لا يعتمد فقط على عدد ساعات المذاكرة أو مستوى التحصيل الدراسى، وإنما يرتبط بشكل وثيق بالمناخ الأسرى الذى يعيش فيه الطالب خلال فترة الامتحانات، موضحة أن الأسرة تمثل مصدر الدعم النفسى الأول للطالب، وأن السلوكيات الإيجابية داخل المنزل يمكن أن تصنع فارقاً كبيراً فى مستوى التركيز والثقة بالنفس والقدرة على مواجهة الضغوط.
وقالت إن أول ما يجب أن تحرص عليه الأسرة هو توفير بيئة هادئة ومستقرة بعيداً عن المشكلات والخلافات الأسرية، لأن الطالب خلال هذه المرحلة يكون أكثر حساسية تجاه أى توتر أو صراع داخل المنزل، وهو ما قد ينعكس سلباً على حالته النفسية وقدرته على التركيز.
وأضافت أن الدعم المعنوى المستمر يعد من أهم العوامل المساعدة على النجاح، من خلال كلمات التشجيع والثقة فى قدرات الطالب، والتركيز على المجهود الذى يبذله. فالطالب يحتاج إلى الشعور بأن أسرته تؤمن به وتسانده مهما كانت الظروف، وهو ما يمنحه قدراً أكبر من الاطمئنان والقدرة على الاستمرار.
وأوضحت أن احترام الجدول الدراسى للطالب يمثل سلوكاً أسرياً مهماً، حيث ينبغى للأسرة مراعاة أوقات المذاكرة والراحة وعدم تكليفه بمهام أو التزامات إضافية قد تستهلك طاقته أو وقته خلال هذه الفترة المهمة. كما أن تنظيم أجواء المنزل بما يتناسب مع احتياجاته يساعده على تحقيق أفضل استفادة من ساعات الدراسة.
وشددت على أهمية تحقيق التوازن بين الدراسة والراحة، مؤكدة أن بعض الأسر تقع فى خطأ الاعتقاد بأن النجاح يتحقق من خلال الدراسة المتواصلة دون انقطاع، بينما يحتاج الطالب إلى فترات راحة منتظمة تساعده على تجديد نشاطه الذهنى والحفاظ على قدرته على التركيز والاستيعاب.
كما نصحت الأسر بالاهتمام بالتغذية الصحية للطالب وتوفير وجبات متوازنة غنية بالعناصر الغذائية الضرورية، إلى جانب تشجيعه على الحصول على عدد كاف من ساعات النوم يومياً، لأن الصحة الجسدية ترتبط ارتباطاً مباشراً بالأداء الذهنى والقدرة على استرجاع المعلومات.
وأكدت دينا عاطف أن الحوار الإيجابى داخل الأسرة من العوامل الأساسية لدعم الطالب نفسياً، حيث يجب الاستماع إلى مخاوفه وضغوطه دون إصدار أحكام أو ممارسة ضغوط إضافية عليه. فمجرد شعور الطالب بوجود من يستمع إليه ويفهم ما يمر به يخفف كثيراً من التوتر الذى قد يواجهه خلال فترة الامتحانات.
وأضافت أنه من المهم تجنب المقارنات مع الآخرين، سواء بين الأشقاء أو مع زملاء الدراسة، لأن لكل طالب قدراته وظروفه الخاصة. والمقارنة غالباً ما تؤدى إلى زيادة الضغوط النفسية وتقليل الثقة بالنفس، بينما يساعد التركيز على تطور الطالب الشخصى وإنجازاته الفردية فى تعزيز دافعيته نحو النجاح.
وأشارت إلى ضرورة التعامل مع أى تعثر أو انخفاض مؤقت فى مستوى الأداء بهدوء وحكمة، فالتعرض لبعض الصعوبات خلال فترة المراجعة أو الامتحانات أمر طبيعى، ويجب أن يكون دور الأسرة هو تقديم الدعم والمساندة بدلاً من اللوم أو التوبيخ.
وأكدت أن إشعار الطالب بالأمان النفسى داخل المنزل يعد من أهم مقومات النجاح، وذلك من خلال الابتعاد عن التهديد أو التخويف من المستقبل أو ربط قيمة الطالب الإنسانية بدرجاته الدراسية. فالنجاح الحقيقى يتحقق عندما يشعر الطالب بأن أسرته تحبه وتقدره لشخصه وجهده وليس فقط للمجموع الذى سيحققه.
واختتمت استشارى العلاقات الأسرية حديثها بالتأكيد على أن الأسرة التى توفر الحب والدعم والهدوء والثقة لأبنائها خلال فترة الثانوية العامة تساهم بشكل مباشر فى تعزيز فرص النجاح والتفوق، مشيرة إلى أن المساندة النفسية الإيجابية قد تكون فى كثير من الأحيان أكثر تأثيراً من أى وسيلة تعليمية أخرى، لأنها تمنح الطالب القوة الداخلية التى يحتاجها لعبور هذه المرحلة المهمة بثقة واستقرار.
التغذية السليمة
واهتمام الأسرة بطالب الثانوية العامة لا يتوقف على توفير الجو المناسب فقط إنما يمتد للنظام الغذائى للطالب، وهو ما أكدته الدكتورة انتصار سعد، استشارى التغذية العلاجية، مشيرة إلى أن فترة امتحانات الثانوية العامة تتطلب اهتماماً خاصاً بالنظام الغذائى، لما له من دور مباشر فى تعزيز التركيز والذاكرة والقدرة على التحصيل الدراسى، مشيرة إلى أن بعض العادات الغذائية الخاطئة قد تؤثر سلباً على الأداء الذهنى وتزيد من الشعور بالإرهاق والتوتر.
وأضافت أن وجبة الإفطار تعد وجبة أساسية ويجب أن تحتوى على مصادر جيدة للبروتين مثل البيض أو الجبن أو الفول، إلى جانب الخبز والحبوب الكاملة والخضراوات الطازجة، لأنها تساعد على إمداد الجسم بالطاقة بشكل تدريجى وتحافظ على التركيز لفترات طويلة.
وأضافت أن الأسماك، خاصة الغنية بأحماض أوميجا 3، من أفضل الأطعمة الداعمة لصحة المخ والذاكرة، إلى جانب المكسرات غير المملحة مثل اللوز والجوز، والفواكه الطازجة وعلى رأسها الموز والتفاح والبرتقال، فضلاً عن الخضراوات الورقية التى تحتوى على عناصر غذائية مهمة للجهاز العصبى.
وأوضحت أن شرب كميات كافية من المياه أمر ضرورى خلال فترة الامتحانات، حيث إن الجفاف حتى لو كان بسيطاً قد يؤدى إلى انخفاض التركيز والشعور بالصداع والإجهاد، لافتة إلى أهمية الحصول على ساعات نوم كافية بجانب التغذية المتوازنة.
وحذرت من الإفراط فى تناول المشروبات المنبهة ومشروبات الطاقة باعتبارها تمنح نشاطاً مؤقتاً يعقبه هبوط فى مستوى التركيز، كما نصحت بالابتعاد عن الوجبات السريعة والأطعمة الغنية بالدهون والسكريات المصنعة والمشروبات الغازية، لأنها تسبب الخمول واضطرابات الهضم وتؤثر على كفاءة الأداء الذهنى.
وأشارت إلى أن النظام الغذائى المثالى لطالب الثانوية العامة يعتمد على ثلاث وجبات رئيسية متوازنة تتخللها وجبتان خفيفتان من الفواكه أو المكسرات، مع تقليل السكريات والاعتماد على الأغذية الطبيعية، مؤكدة أن الغذاء الصحى المنتظم يساعد الطالب على مواجهة ضغوط الامتحانات وتحقيق أفضل أداء ممكن خلال هذه المرحلة المهمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض