رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مراجعات

عندما نتحدث عن «الشجاعة»، فإنها لا تعني الجرأة «المتأخرة» على النقد والاعتراض وإثارة الجدل، بل القُدرة على قول الحقيقة «في وقتها»، بوضوح ومسؤولية.. مهما كانت تبعاتها وعواقبها.
خلال السنوات الأخيرة، يمكننا رصد ظاهرة متكررة، عبر مِنَصَّات التواصل الاجتماعي، يمكن تسميتها بـ«المعارضة الآمنة»، ينتهجها كثيرون، للاعتراض «المفاجئ» والنقد «الحاد»، الذي يطغى فقط عندما يفقد المسؤول سُلطته ونفوذه!
اللافت أنه حين تدور الأيام على ذلك المسؤول أو صاحب النفوذ، تعلو الأصوات، و«تكثر السكاكين»، أو ما نسميه «شجاعة ما بعد السقوط»، ليتحول النقد إلى محاكمة بأثر رجعي، وأحيانًا إلى خوضٍ في الأعراض وتشويه السمعة.. وكأن الجرأة لم تجد طريقها إلا بعد زوال الخطر!
المفارقة أن كثيرًا من تلك الانتقادات لا تبدو حرصًا على المصلحة العامة، بقدر ما تُولد من «حسابات الأمان»، فحين كان المسؤول أو صاحب النفوذ قادرًا على الثواب والعقاب، يسود الصمت، أو الاكتفاء بتلميحات خجولة، أو ممارسة المجاملة باسم «الواقعية»، لكن ما إن يزول المنصب و«الجاه» حتى يصبح الهجوم مجانيًّا، و«التشهير» و«التجريس» فضيلة متأخرة، ثم يُعاد نبش «الخطايا» القديمة، بوصفها حقائق ساطعة، لم يكن أحد يجرؤ على قولها في حينها!
بالطبع، لا يمكن اعتبار ذلك «معارَضة» بالمعنى الأخلاقي للكلمة، بل «معارَضة مؤجَّلة»، لا تواجه القرار حين يكون نافذًا، ولا تدافع عن المبدأ حين يكون مكلفًا، وإنما تنتظر تبدُّل موازين القوة، ثم تعلن اكتشافها المتأخر للحقيقة، وبالتالي تفتقر إلى أهم عنصر يمنح «المعارضة» قيمتها، وهو «المخاطرة»، وبالتالي فإن ما يُقال بعد زوال النفوذ والمنصب، لا يتساوى مع ما قيل حين كان النفوذ في ذروته!
يقينًا، ليس المقصود «تبرئة» أو إدانة، لأشخاص بعينهم، أو «تحريم» نقدهم بعد أفول وجاهتهم، فالمحاسبة حق مشروع، وكشف الأخطاء المتأخرة قد يخدم الحقيقة أحيانًا، وإنما يجب التمييز ما بين المراجعة النزيهة والشماتة المتأخرة، وبين التقييم الموضوعي و«الانتقام الآمن» اللاحق!
إن المجتمعات الحقيقية تحتاج إلى معارضة تُقاس بقدرتها على قول ما تعتقده في الوقت المناسب، لا بعد انقضاء الوقت، وأن تميز بين الشخص والمنصب، وكذلك بين القرار وكرامة صاحبه، أو بين الحق في المحاسبة والحق في السمعة، ولا تتبدل مبادئها بتبدل مواقع القوة والنفوذ.
لعل أخطر ما تصنعه «المعارضة الآمنة» أنها تُضعف الثقة في النقد نفسه، فالناس يدركون مَن صَمَتَ حين كان الكلام صعبًا، ومَن تحدث فقط عندما صار الكلام بلا ثمن، ولذلك عندما تختلط الشجاعة بـ«التوقيت المريح»، تتحول الساحة إلى مسرح لـ«بطولات متأخرة».
أخيرًا.. القيمة الحقيقية تكمن في اتساق المواقف مع المبادئ، وفي النقد حين تكون المواجهة مكلفة، وصون كرامة الناس حين يصبح النَّيل منهم سهلًا.. فليس من الشجاعة مواجهة مَن لا يملك القُدرة على الدفاع عن نفسه.
فصل الخطاب:
الجميع شجعان عندما يزول الخطر، ولذلك من السهل أن يكون المرء شجاعًا وجسورًا بعد زوال النفوذ، أما الشجاعة الحقيقية فتظهر قبل ذلك.

[email protected]