أهمية مراعاة الأخلاق الإنسانية في الإسلام
من المقرر أن الأخلاق الإنسانية في الإسلام تنبع من الإيمان بوحدة البشرية وإلهها ومصيرها، وقد دعا الإسلام إلى التعارف والبر والعدل مع جميع الناس حتى مع المخالفين في الدين.
الإسلام يدعو إلى التعارف والتآلف بين الشعوب
من بين ما يتلقاه المسلم ويؤمن به إيمانه بإله واحد يدين له بالعبودية كل مخلوق، الإيمان بأن التعارف والتآلف وليس التناكر والتباغض والتحاسد هو الحكمة من خلق الشعوب والقبائل واختلاف الأجناس والألوان مصداقًا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:١٣] .
الأخلاق الإنسانية مع غير المسلمين
وعلى هذه القاعدة العريضة أقيمت الأخلاق الإنسانية، يعامل المسلمون بها غيرهم من الأفراد والجماعات والأمم والشعوب ممن لا يربطهم بالمسلمين رباط الإخاء الإسلامي المشدود بروح الإخلاص المؤزر بمناطق العقائد.
فلا ريب أن تكون الأخلاق الإنسانية سمة بارزة وعلامة مميزة على صدر هذا الدين الذي يطالب أبناءه بأن يؤمنوا بأن البشرية من أسلافها إلى أعقابها لها نسب واحد ولها إله واحد ولها نهاية واحدة، فالناس كلهم لآدم، وآدم خلق من تراب، ويجب أن يجري المسلمون في علاقاتهم بغيرهم على أساس الإخاء الإنساني عند افتقاد إخاء الدين، ورفض عقيدة المسلمين عن جهل بها أو عن استكبار وتعنت في قبولها، واستجابة لما أمر به الدين كانت علاقة المسلمين بغيرهم.
العدل مبدأ ثابت في الإسلام
ولم تستند الأخلاق الإنسانية التي دعا إليها الإسلام في معاملة أبنائه لغيرهم إلى الإخاء الإنساني وحده، بل تجد أساسًا قويًّا لها في قاعدة العدل التي يأمر بها الله الحكام والأفراد والجماعات المسلمة حتى مع أعدائهم، وقد ازدحمت آيات الكتاب الكريم والسنة بالأمر بالعدل والنهي عن الظلم، نخص منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [النحل : ٩٠] { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء : ٥٨].
وإذا كان الله - تبارك وتعالى - يأمر بالعدل بصفة عامة في الآيتين السابقتين فقد أمر - تبارك وتعالى - بالعدل في القول في قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } [الانعام : ١٥٢].
ويجب إقامة العدل على النفس، والوالدين والاقربين، بالغًا ما بلغت تكاليف إقامته، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: ١٣٥].
وبغض قوم من الأقوام لأي سبب كان، ينبغي ألا يميل بالمسلمين عن العدل أو يجرهم إلى الظلم أو يذهب بهم إلى حيث الأهواء والأغراض، فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة : ٨] .
الإسلام دين عمل وتطبيق
والإسلام ليس دين قواعد ومبادئ يمليها أو أصول نظرية ينادي بها، إنما هو دين عمل وتطبيق لما جاء به من مبادئ وأصول، نادى بها المسلمون، وكان عملهم أبين من قولهم وأصدق.
ولقد رأت البشرية من صفات الأمة الإسلامية ما أيقنت معه أن تلك الأمة تحمل إلى الإنسانية رسالة الحق والخير، وأنها تترجم عن رسالتها بأخلاقها وسيرتها وأعمالها، وأن الذي اعتقدته وتخلقت به ودعت الأمم إليه هو الحق الذي قامت به السماوات والأرض وبعثت الرسل وأنزلت الكتب.
وصية النبي ﷺ والخلفاء بأهل الذمة
ولقد كانت الأخلاق الإنسانية وصية النبي ﷺ إلى الأمة الإسلامية، كما كانت وصية الخليفة إلى من سيخلفه في سياسة الدولة وقيادة المسلمين ومعاملة من يقيم على أرض الإسلام من المخالفين للمسلمين في العقيدة والدين.
ويروى عن رسول الله ﷺ أنه أمر المسلمين بالرفق بأهل الذمة حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم، فقال ﷺ: «مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ فَأَنَا حَجِيجُهُ» (الخراج ص ١٢٥) كما قال ﷺ: «أَلا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوِ انْتَقَصَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ؛ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (الخراج ص ١٢٥)
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «أوصى الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم». (الخراج، ص ١٢٥).
ومر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال: فما ألجأك الى ما أرى. قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم "إنما الصدقات للفقراء والمساكين"، والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه. (الخراج، ص١٢٦)
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض