40 مليار دولار أرباح سنوية لشبكات الاحتيال.. وتحذير من مخاطر الذكاء الاصطناعي
أكد مسؤولون وخبراء محليون ودوليون أن التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي أدى إلى تغير جذري في طبيعة جرائم الاحتيال الإلكتروني، التي لم تعد تقتصر على الخسائر المالية المباشرة، بل باتت تشكل تهديدًا للأمن الاقتصادي والاستقرار المؤسسي والثقة في الأنظمة الرقمية.
جاء ذلك خلال جلسة "استراتيجيات مكافحة الاحتيال في عصر الذكاء الاصطناعي"، التي عُقدت ضمن فعاليات مؤتمر ومعرض الأمن السيبراني CAISEC 2026، بمشاركة ممثلين عن البنك المركزي المصري ووزارة العدل ووزارة الخارجية ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
الذكاء الاصطناعي يغير قواعد المواجهة
في مستهل الجلسة، أكد الإعلامي أسامة كمال، رئيس مجلس إدارة شركة ميركوري كوميونيكيشنز ومدير الجلسة، أن التوسع في استخدام التكنولوجيا والاعتماد المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي فرضا واقعًا جديدًا على المؤسسات الحكومية والخاصة.
وأوضح أن الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيا أصبحت أكثر تعقيدًا من أن تُواجه بالآليات التقليدية، ما يستدعي تطوير الأطر التشريعية وتعزيز أدوات الرقابة والاستثمار في بناء القدرات المؤسسية والبشرية القادرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات.
وأشار إلى أن التصدي للجرائم الرقمية يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين الجهات القضائية والرقابية والمالية والتكنولوجية، بما يضمن وجود رؤية موحدة وآليات فعالة للتعامل مع المخاطر المستجدة.
البنك المركزي: الاحتيال أصبح خطرًا استراتيجيًا
من جانبه، قال العميد مصطفى خضر، مدير مكافحة الاحتيال والجرائم المالية بالبنك المركزي المصري، إن مفهوم الاحتيال في القطاع المصرفي شهد تحولًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن الاحتيال لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد مخاطر تشغيلية أو تهديدًا لسمعة المؤسسات، بل أصبح خطرًا استراتيجيًا قد يؤثر على استقرار النظام المالي وثقة العملاء وصورة الدولة على المستوى الدولي.
وأضاف أن استخدام الذكاء الاصطناعي في تنفيذ عمليات الاحتيال ساهم في زيادة تعقيد الهجمات الرقمية، ما دفع البنك المركزي إلى تعزيز التعاون مع البنوك العاملة في السوق المصرية لتطوير آليات الوقاية والكشف المبكر والاستجابة السريعة للتهديدات المختلفة.
الجريمة المنظمة تستغل التكنولوجيا
بدوره، أكد المستشار محمد الزند، رئيس اللجنة القومية لمنع ومكافحة الجرائم السيبرانية، أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا أساسيًا في عدد كبير من الجرائم الحديثة.
وأشار إلى أن عمليات الاحتيال تطورت لتصبح جزءًا من أنشطة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، لافتًا إلى وجود ارتباط متزايد بين شبكات الاحتيال وجرائم غسل الأموال والاتجار بالبشر وتمويل الإرهاب.
وأوضح أن بعض الشبكات الإجرامية تعتمد على ما يُعرف بـ"مراكز الاحتيال المنظمة"، التي تستغل ضحايا الاتجار بالبشر وتجبرهم على تنفيذ عمليات احتيالية تستهدف أفرادًا ومؤسسات في دول مختلفة.
وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحديث التشريعات، ورفع كفاءة القضاة وأعضاء النيابة العامة في التعامل مع الأدلة الرقمية، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي في مجالات تبادل المعلومات والخبرات.
الأمم المتحدة: الاحتيال صناعة تدر مليارات الدولارات
من جانبه، استعرض ماكسيميليان مينهارد، الخبير بمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة في فيينا، التحولات التي شهدتها جرائم الاحتيال خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن هذه الجرائم تحولت إلى صناعة إجرامية عالمية تحقق مليارات الدولارات سنويًا، وتعمل وفق نماذج تنظيمية مشابهة للشركات التجارية.
وأشار إلى أن شبكات الاحتيال أصبحت تعتمد على تقنيات متقدمة مثل التزييف العميق واستنساخ الأصوات والأصول الرقمية، لتعزيز قدرتها على خداع الضحايا واستهدافهم عبر الحدود.
وأضاف أن بعض الدراسات تشير إلى أن مراكز الاحتيال المنتشرة في شرق وجنوب شرق آسيا تحقق أرباحًا تصل إلى نحو 40 مليار دولار سنويًا، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه الحكومات والمؤسسات المالية حول العالم.
وشدد على أن التصدي لهذه الجرائم يتطلب تعاونًا وثيقًا بين الحكومات والقطاع الخاص والمؤسسات المصرفية وشركات الاتصالات والمنصات الرقمية وأجهزة إنفاذ القانون.
أكدت السفيرة أميرة فهمي، نائب مساعد وزير الخارجية، أن وزارة الخارجية المصرية تلعب دورًا مهمًا في دعم جهود الدولة لمكافحة الجرائم السيبرانية من خلال المشاركة في المفاوضات الدولية وتعزيز التعاون مع المنظمات الأممية والشركاء الدوليين.
وأوضحت أن مصر شاركت في صياغة عدد من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الجرائم السيبرانية والجريمة المنظمة، مشيرة إلى أن الوزارة تعمل على تعزيز تبادل المعلومات والخبرات وبناء القدرات بالتنسيق مع الجهات الوطنية والدولية.
وأضافت أن التجربة المصرية في مكافحة الاحتيال الإلكتروني حظيت بإشادات خلال القمة العالمية لمكافحة الاحتيال التي استضافتها فيينا، كما أشارت إلى وجود فرص لتوسيع التعاون مع عدد من الدول في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي.
واختتم المشاركون الجلسة بالتأكيد على أن الاحتيال الإلكتروني لم يعد مجرد جريمة مالية أو تقنية، بل تحول إلى تهديد مباشر للأمن الاقتصادي والأمن القومي، في ظل الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في إدارة الخدمات والأنشطة الاقتصادية.
وأكدوا أن مواجهة هذا النوع من الجرائم تتطلب تطوير التشريعات بصورة مستمرة، وتعزيز التعاون الدولي، والاستثمار في بناء كوادر بشرية مؤهلة، إلى جانب توظيف التقنيات الحديثة للكشف المبكر عن التهديدات والتعامل معها بفاعلية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض