القارئ كتاب «الفاشوش فى حكم قراقوش» لابن ممّاتى يشعر أحيانًا أنّه لا يقرأ عن أميرٍ أيوبيّ من القرن السادس الهجرى، بل عن ظاهرةٍ سياسية تتكرّر كلّما اجتمع الغرور بالسلطة، والجهل بالثقة المطلقة بالنفس.
لقد حوّل ابن ممّاتى قراقوش من رجلٍ تاريخى إلى رمزٍ للحاكم الذى يتكلّم بثقةٍ هائلة بينما تتداعى كلماته أمام المنطق. وفى الحكايات الساخرة المنسوبة إليه، لا يأتى العبث من القسوة وحدها، بل من أحكامٍ تجعل الناس يضحكون أولًا، ثمّ ينظرون إلى بعضهم بقلق، لأنّ الضحك نفسه يصبح علامةً على العجز.
ومن هنا يظهر التشابه مع دونالد ترامب. فترامب، فى كثيرٍ من لحظاته السياسية، بدا أقرب إلى شخصيةٍ خرجت من كتاب هجائى قديم منه إلى رجل دولة تقليدى. كلاهما يتكلّم كما لو أنّ العالم شديد البساطة، وكأنّ التعقيد مؤامرة اخترعها الآخرون. وكلاهما يفضّل الحدس على المعرفة، والصوت المرتفع على التفكير الهادئ، والاستعراض على الإدارة الدقيقة.
كان ابن ممّاتى يروى عن قراقوش أحكامًا تقوم على سوء فهمٍ طفوليّ أو منطقٍ مقلوب، حتى تبدو الدولة نفسها كأنّها مسرح ارتجال. واللافت أنّ كثيرًا من تصريحات ترامب أعطت الإحساس نفسه: اقتراحات غريبة، معلومات ثبت خطؤها، تناقضات متلاحقة، وانتقال سريع من موقفٍ إلى نقيضه.
لكنّ الأهمّ ليس غرابة الكلام وحدها، بل تحوّل الجمهور إلى جزءٍ من العرض. ففى «الفاشوش» لم يكن الناس يضحكون على قراقوش فقط، بل كانوا يضحكون أيضًا على واقعهم العاجز عن مقاومة الحاكم. كانت السخرية نوعًا من التنفيس تحت ثقل السلطة.
والشيء نفسه ظهر فى التجربة الأمريكية مع ترامب. فقد تحوّلت السياسة أحيانًا إلى عرضٍ تليفزيونى ضخم ينتظر فيه الناس الجملة الصادمة التالية: من سيهاجم؟ ماذا سيقول؟ وما النظرية الجديدة التى سيقذفها فى الهواء؟ لكن خلف هذا المشهد ظلّ هناك خوف حقيقى، لأنّ كلمات رئيس دولة عظمى لا تبقى مجرّد كلمات، بل تتحوّل إلى قرارات وأسواق مضطربة وتحالفات تهتزّ.
ومع ذلك، ينبغى الحذر من ظلم التاريخ. فبعض المؤرخين يرون أنّ قراقوش الحقيقى لم يكن بالصورة الكاريكاتورية التى رسمها ابن ممّاتى، وأنّ الكتاب نفسه كان جزءًا من خصومة سياسية وأدبية. وربّما يأتى يوم يحاول فيه مؤرخون آخرون الفصل بين ترامب الحقيقى والصورة الإعلامية التى أحاطت به.
غير أنّ القيمة الكبرى لـ«الفاشوش» تكمن فى اكتشافه المبكر لحقيقةٍ سياسية مخيفة: الناس قد يحتملون القسوة، لكنّهم يخافون أكثر من الحاكم الذى يبدو أنّه يتصرّف بلا عقل واضح.
ولهذا بقى اسم قراقوش حيًّا فى الذاكرة العربية قرونًا طويلة، رمزًا لكلّ سلطة يتحوّل فيها الحكم إلى خليطٍ من الغرور والارتجال والعناد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض