رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

هناك في ولاية راجستان شمالي غرب الهند، حيث يقطن صغار الفلاحين في أكواخ طينية وسط فقر مدقع، كانت الحكومة الهندية تذيع إليهم بأن حصتهم من ميزانية الدولة (1990-1994) كبيرة. وكان أولئك الفلاحون الأميّون أكثرهم يستمعون إلى هذا الحديث باستغراب شديد؛ إذ ثارت في أذهانهم تساؤلات كثيرة تحاول تفسير هذا التناقض دون جدوى، ومع مرور كل عام، كانت الهواجس والشكوك تتزايد.

وفي أحد الأيام، تجمع الفلاحون حيارى في ساحة عامة بقرية تدعى "بيم"، لم ينادوا بمطالب سياسية كبرى أو إصلاحات هيكلية، بل انحصرت مطالبهم في دفع حكومة الولاية إلى الإفصاح المعلوماتي عن كشوف الحضور والانصراف للمشروعات القائمة بالولاية، وقائمة أخرى بمصروفات مواد البنية التحتية المستخدمة فيها.

رغم بساطة مطالبهم الا أنها جوبهت بموجة من السخرية الحكومية، وتذرعت الحكومة المحلية بأن الوثائق المطلوبة تندرج تحت بند "السرية". وما لبثت أن انضمت إلى هذا الحراك الاستفساري موظفين حكوميين، أسهمت مشاركتهم في تسريب الكشوف المطلوبة. فرجع  الناس للاحتشاد في الميدان مجدداً، وصار بينهم رجل متعلم يقرأ عليهم محتوى الوثائق المسربة، فيقول القارئ: "فلان تقاضى 200 روبية عن عمله في يوم كذا"، فيصرخ أحد الحضور: "لكن فلان هذا قد مات منذ ثلاث سنوات!". عقد الناس جلسات عامة عديدة لفحص الكشوف والسجلات، وخرجوا منها بنتيجة حاسمة: إن أموالهم لا يجوز حجب طرق صرفها عنهم، رافعين شعارا عاما يقول بإن الحق في المعرفة، هو ذاته الحق في العيش الكريم.

لم تمر سنوات قليلة على هذا الحراك الشعبي الملهم، حتى أثمرت هذه الجهود عن إقرار ولاية راجستان قانوناً محلياً لحرية تداول المعلومات في عام 2000، ليكون لول بذرة لعمل قانوني معلوماتي في الهند. ولم يتوقف قطار الشفافية عند حدود الولاية؛ إذ شكلت هذه التجربة الفريدة رؤية وطنية عامة، وتُوج البرلمان الهندي حق الافصاح بعد خمس سنوات على قانون راجستان بقانون أشمل هو قانون حرية تداول المعلومات الاتحادي (RTI Act) في عام 2005، ليصبح سارياً ومطبقا في عموم الهند بأكملها، ويثبت فلاحو راجيستان أن المعرفة هي أولى خطوات محاربة الفساد والمسائلة.

لقد تورثت التجارت التشريعية بعضها، البعض فى تنظيم الحق فى المعلومات بالسليقة، وأصبح حق الإفصاح المعلوماتي واحد من أهم مبادىء تداول المعلومات.
وينقسم الإفصاح بدوره عبر التجارب الي نوعين، احدهما استباقي والثاني إفصاح واتاحة عن طلب، والافصاح ذاته وهو حق بمقتضاه تلتزم السلطات دون طلب من الأفراد بإلافصاح عن قائمة طويلة من المعلومات تشمل كافة المعلومات ذات الطابع الرسمي، لاسيما المعلومات المتعلقة بالإنفاق العام، والديون و المنح والقروض، والموازنة العامة والحسابات الختامية وغيرها في أبواب طويلة، إلى جانب هذا الحق تلتزم أغلب تلك التشريعات الجيدة دوليا فى هذا الشأن بإعداد قائمة أطول تحدد الجهات الخاضعة لأحكام القانون تشمل أغلب المؤسسات والهيئات والكيانات التابعة للسلطات الثلاثة فى الدولة.
وبقتصر في إتاحة الحق للمواطنين قائمة حجب للمعلومات على شرط حمايتها لمصلحة عامة قوية تحفظ تنافسية الأسواق مثلا أو تحمي خصوصية الأفراد أو المعلومات العسكرية.

ورغم هذه القوائم وهذا الكم الهائل من المعلومات التى توفرها التشريعات الحديثة استباقيا أو تلقائيا للمواطنين، إلا أن الحق فى الإفصاح بناء على طلب شخصي هو ضرورة يكتمل بها منظومة العمل المعلوماتي التي تنظمه تلك القوانين، ويحدد لهذا الطلبات في الغالب اطرا زمنية محددة تجعل الطلب على المعلومة مسألة محصورة النطاق زمانيا، ومكانيا، واختصاصا بحيث لا تصبح عملية الإفصاح بناء على طلب المواطنين مسألة قابلة للتلاعب أو التسويف أو الإهمال، أو الحجب دون سبب.

ولهذا، يخرج الإفصاح الموجة الذي تلعبه الحكومة حتى الرشيدة منها عن إطار الحق المنشود من قوانين تداول المعلومات جيدة الاعداد، إذ يغلب على الإفصاح الموجه الطابع الإعلامي والدعائي للحكومات منفصلا ومتمايزا عن طبيعة الحق المعلوماتي الذي نفهمه ونطلبه في مصر أو يطلبه آخرون في دول اخرى.

وهنا تبرز قيمة التجربة الهندية وغيرها كشاهد على أن تداول المعلومات قد ينبت في كنف البسطاء وفي الطرقات ليرقبوا بها مقدراتهم؛ فالمعلومة البسيطة كما أثبت فلاحو راجستان ليست ترفا معرفيا، بل شريان حياة بالنسبة لكافة المواطنين حتى أبسطهم.

ومن رحم هذه الفلسفة الواقعية والحاجة البسيطة، لكنها شديدة الالحاح، يطرح الوفد مشروعا مصريا لقانون تداول المعلومات كظهير تشريعي؛ لا يتعامل مع الشفافية بوصفها منحة حكومية أو مادة للدعاية، بل كأداة لتمكين المجتمع كله ومأسسة المساءلة، وبل أداة استباقية لمواجهة التضليل المعلوماتي.

إن تأطير هذا الحق في سياقنا الوطني اليوم هو الضمانة الحقيقية لكسر حجب السرية التي لا ينتفع بها الا الفاسدين أينما حلوا، وتحويل النص الدستوري المصري المعطل إلى واقع ملموس يحمي أموال الناس، ويمنحهم الحق في المعرفة.. والحق في العيش الكريم قائما على المعلومة في عصر معلوماتي بطبيعته وسماته.