قامت النظرية الأمنية الشهيرة التى ظهرت فى أمريكا فى الثمانينيات وعرفت بنظرية النوافذ المكسورة، على فكرة أن البيئة المحيطة بالإنسان تؤثر بشكل مباشر على سلوكه. فإذا تركت نافذة واحدة مكسورة في مبنى دون إصلاح، سيعتقد المارة أن لا أحد يهتم، وبالتالي لن يمر وقت طويل حتى تُكسر بقية النوافذ.وعندما تولى رودي جولياني منصب عمدة نيويورك عام 1994، وعيّن ويليام براتون رئيساً لجهاز الشرطة، تحولت النظرية إلى خطة عمل ميدانية صارمة عُرفت بسياسة "التسامح الصِفري".
بدأت الحملة من أنفاق المترو، التي كانت تعتبر بؤراً مرعبة للجريمة ، فلاحقت الشرطة مئات الآلاف من المتهربين من دفع التذاكر، وكانت المفاجأة أن واحداً من كل سبعة من هؤلاء المتهربين كان يحمل سلاحاً مخفياً أو مطلوباً في قضية جنائية كبرى.توسعت هذه السياسة لتشمل الشوارع، فمُنعت تماماً كافة أشكال التخريب البصري ومضايقة المارة، فقد أدرك الخارجون عن القانون أن فرصة ارتكاب أي هفوة دون عقاب أصبحت شبه معدومة، مما أدى إلى تراجع الجرائم الكبرى تلقائياً نتيجة لتطهير المجال العام وإحكام السيطرة عليه ، وأدت هذه المنظومة إلى انخفاض معدلات الجرائم الكبرى في المدينة بنسبة تجاوزت 50% خلال سنوات قليلة، وهبطت معدلات القتل إلى مستويات غير مسبوقة، مما جعلها نموذجاً ملهماً للعديد من المدن العالمية التي سعت للاستفادة من هذه الإدارة الحازمة والقائمة على تحليل البيانات.
التحول الرقمي والاجتماعي والقفزات التكنولوجية الهائلة التي يعيشها العالم حالياً ، فتحت الباب لدعم هذه النظرية،فإذا كانت التكنولوجيا في التسعينيات قد اعتمدت على مجرد رسم خرائط رقمية بسيطة لتحديد البؤر الساخنة، فإن المدن الذكية المعاصرة أصبحت تمتلك أدوات تفوق ذلك بمراحل، مثل تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتحليلات التنبؤية، وأنظمة الاستشعار الفوري.
والسؤال الآن: ما هى فرص تطبيق نظرية النوافذ المكسورة لخفض معدلات الجريمة فى مصر؟
والحقيقة أن هناك إشكاليات فى تطبيقها كما أن هناك إمكانيات لذلك أيضا
وإذا بدأنا بالإشكاليات، فالإشكالية الأهم هي العدالة الاقتصادية، ففي علم الاجتماع لا يمكن تطبيق سياسة (التسامح الصِفري) في بيئة يعاني فيها قطاع واسع من السكان من الفقر المدقع أو يعملون في الاقتصاد غير الرسمي للبقاء على قيد الحياة. عندما لا يجد المواطن مكاناً مرخصاً لبيع بضاعته ويضطر للبيع على الرصيف، فإن الملاحقة الأمنية الصارمة له هنا لن تمنع الجريمة، بل ستدفع هذا الشخص نحو الجريمة الفعلية كوسيلة أخيرة للعيش بعد سد منافذ رزقه البسيطة. تجربة نيويورك نجحت لأنها طُبقت في مناخ كان يشهد انتعاشاً اقتصادياً في التسعينيات وفرص عمل متاحة، وهو ما يغيب عن الواقع المصري الحالي.
الإشكالية الثانية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الشارع والسلطة التنفيذية في مصر، حيث تعاني هذه العلاقة تاريخياً من أزمة ثقة ومن البيروقراطية. فتطبيق الحزم الشديد في المخالفات الصغيرة، مثل البناء بدون ترخيص أو الإشغالات أو المخالفات المرورية، كثيراً ما يفتح الباب لفساد (المحليات) من رشاوى ومحسوبية، أو يتحول إلى أداة للجباية والضغط، بدلاً من أن يكون أداة لتحقيق الانضباط. في غياب منظومة محاسبة صارمة وشفافة للجهاز الإداري نفسه، يصبح التسامح الصِفري مجرد سيف مسلط على رقاب البسطاء بينما يفلت منه الكبار.
أما الإشكالية الثالثة فهي "أزمة الكثافة والسكن العشوائي"، ففي غابات الطوب الأحمر والأحياء العشوائية شديدة التكدس في مصر، تصبح السيطرة الأمنية الرقمية غير فاعلة، فالبيئة العمرانية نفسها مشوهة وتخلق مناخاً طبيعياً للاختباء والتهرب، ولا يمكن إصلاح سيكولوجية هذه المناطق بمجرد وضع كاميرات مراقبة أو دهان واجهات المباني، فالأمر يتطلب حلولاً جراحية جذرية للهيكل الاجتماعي والاقتصادي بالكامل قبل الحديث عن فرض الانضباط بالقوة.
أما إذا بحثنا لهذه النظرية عن (إمكانيات) للتطبيق في مصر بعيداً عن التعقيدات الكبرى، فيمكننا البدء من قطاع النقل والمواصلات فالتطبيق الصارم لمنع التهرب من التذاكر، وضبط السلوكيات العشوائية داخل المحطات والقطارات، وتكثيف التواجد الأمني الذكي في أوقات الذروة، يمكن أن يحول هذا المرفق إلى منطقة انضباط معزولة. نجاح هذا النموذج لا يوفر عوائد مالية للمرفق فحسب، بل يمنح المواطن شعوراً فورياً بالأمان والعدالة، ويمثل رسالة نفسية بأن النظام والانضباط ممكنان ومتاحان في الفضاء العام.
ثم يمكن بعد ذلك اختيار أحياء وتجمعات سكنية محددة ، وتطبيق المنظومة فيها كعينة تجريبية ، فبإعادة تنظيم مواقف السيارات فيها، وتوفير إضاءة جيدة للشوارع، والتعامل الفوري مع أي مخالفة إشغال أو تخريب للممتلكات، فإن هذا المربع السكني سيتحول إلى نموذج جاذب. لأن النجاح الصغير يخلق غيرة إيجابية بين الأحياء والمحافظات، ويتحول إلى مطلب شعبي من سكان المناطق الأخرى الذين سيرون بأعينهم كيف انعكس الانضباط على جودة حياة جيرانهم.
واذا انتقلنا إلى (الرقابة التكنولوجية الشعبية). فبدلاً من الاعتماد فقط على كاميرات المراقبة الحكومية المكلفة، يمكن تفعيل منصات موثوقة تتيح للمواطنين الإبلاغ الفوري عن المخالفات التنظيمية، مثل إلقاء المخلفات، أو التعدي على الطرق، أو بؤر التوتر الأمني، مع ضمان الجدية والسرعة في التعامل مع هذه البلاغات من قبل جهات مستقلة. هذا الربط التكنولوجي البسيط يحول المجتمع نفسه إلى شريك في الرقابة، ويخلق حالة من الردع لدى المخالفين ، مما يقلل الاعتماد على العنصر البشري الأمني التقليدي ويحد من فرص الفساد المحلي.
كما الاهتمام بمنع إلقاء القمامة، وضبط فوضى التوك توك بمنع قيادة الأطفال له، وإلزام هذه المركبات بخطوط سير محددة مع تغليظ العقوبة على المالك، يمثل في واقع الأمر التطبيق العملي والذكي لنظرية (النوافذ المكسورة) في الشارع المصري، فهذه المشكلات ليست مجرد تفاصيل يومية مزعجة، بل هي المظهر الأساسي للفوضى البصرية والتنظيمية التي يتغذى عليها أي سلوك خارج عن القانون. كذلك فمواجهة المبالغة في استخدام (الكلاكسات) ومنع تشغيل الأغاني بصوت صاخب في المركبات والمحلات يمثل ضلعاً هاماً في منظومة إعادة الانضباط، وهو ما يُعرف بمكافحة التلوث السمعي. الضوضاء المستمرة ليست مجرد إزعاج عابر، بل هي محفز نفسي دائم للتوتر، والعصبية، والنزوع نحو السلوك العدواني في المعاملات اليومية بين البشر.
هذه الاجراءات يمكن فى وقت قصير أن تثبت جدواها فى مكافحة فوضى الشارع ، ففى ملف القمامة مثلاً، سنجد أن تفعيل الغرامات الفورية ضد المخالفين يضرب جذر الأزمة النفسية لدى المواطن ، حيث تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن الفرد يميل تلقائياً إلى الحفاظ على نظافة المكان إذا وجده نظيفاً ومنظماً، بينما يستسهل إلقاء المخلفات في الأماكن المهملة. تطبيق القانون بحزم في هذا الملف، بالتوازي مع توفير صناديق بديلة ومنظومة جمع جيدة، ينقل رسالة فورية للمواطن بأن الدولة تهتم بالتفاصيل الدقيقة لحياته اليومية، مما يرفع من مستوى الرقابة الذاتية لدى الجميع.
تطبيق هذه الحزمة من الإجراءات لا يتطلب إمكانيات مادية ضخمة أو تكنولوجيا معقدة، بل يتطلب فقط (إرادة سياسية وتنفيذية حاسمة ومستمرة) لا تتوقف بعد حملات مؤقتة. والبدء بهذه الخطوات الملموسة يمثل نقطة الانطلاق الحقيقية لإعادة الانضباط والسكينة للشارع المصري، وهي قادرة على خلق تأثير كرة الثلج، حيث يمهد النجاح في فرض النظام الطريق لتقبل وتطبيق قوانين أكثر صرامة في مجالات أخرى مستقبلاً.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض