حكم صلاة الجمعة ومَن تتعين عليهم
من المقرر شرعًا أن صلاة الجمعة واجبة على كلِّ مسلمٍ حرٍّ بالغٍ عاقلٍ مقيم صحيحٍ ليس به علَّة؛ فعن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «رَوَاحُ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحتَلِمٍ» أخرجه الإمام النَّسائي.
بيان حكم صلاة الجمعة
وعن طارق بن شهاب، عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ، إِلَّا أَربَعَةً: عَبدٌ مَملُوكٌ، أَوِ امرَأَةٌ، أَو صَبِيٌّ، أَو مَرِيضٌ» أخرجه الإمامان: أبو داود، والحاكم في "المستدرك"، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الحافظ الذهبي في "التلخيص".
قال الإمام النووي في "منهاج الطالبين" (ص: 46، دار الفكر): [صلاة الجمعة إنما تتعين على كلِّ مكلَّفٍ، حرٍّ، ذكرٍ، مقيمٍ، بلا مرضٍ ونحوه] اهـ.
وقت صلاة الجمعة
الشأن في صلاة الجمعة أنها تؤدى من زوال الشمس عن كبد السماء -وهو وقت صلاة الظهر-، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، ونقل الإجماع على ذلك غير واحدٍ مِن العلماء كابن المنذر، وابن عبد البرِّ، وابن قُدَامة وغيرهم.
قال الإمام ابن المنذر في "الأوسط" (2/ 354، ط. دار طيبة): [قد أجمعوا على وجوب الفرض بزوال الشمس، وسقوط الفرض عمن وجب عليه إذا صلاها بعد الزوال] اهـ.
وقال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (8/ 73، ط. أوقاف المغرب): [قد أجمَعوا على أنَّ مَن صلَّاها في وقت الظُّهر، فقد صلَّاها في وقتها] اهـ.
وقال الإمام ابن قُدَامة في "المغني" (2/ 219، ط. مكتبة القاهرة): [إنَّ علماء الأمَّة اتَّفقوا على أنَّ ما بعد الزوال وقتٌ للجُمُعة] اهـ.
حكم صلاة الجمعة قبل الزوال
وعلى الرغم من حصول الاتفاق على أنَّ ما بعد الزوال وقتٌ لإقامة الجمعة، وأن مَن صلاها في ذلك الوقت فقد أصاب الوقت، وأجزأته عن الفرض، فقد وقع الخلاف بين الفقهاء في صحَّة صلاة الجمعة قبل الزَّوال، بناءً على اختلافهم في اعتبار الأصل والبدل هل هو الظهر أو الجمعة؟
قال القاضي ابن العربي في "القبس" (ص: 86، ط. دار الغرب الإسلامي) في بيان وقت الجمعة: [اختُلف فيه، فمنهم من قال: إنها تُصلَّى في ضحى النهار وابتدائه؛ لأنها صلاة عيد. ومنهم من قال: وقتها وقت الظهر. وعَرَضَت هاهنا مسألةٌ تعلَّق بها شيءٌ مِن هذا الخلاف، وهي أنَّ الجمعة هل هي أصلٌ بنفسها والظهر بدل عنها، أم هي بدلٌ والظهر أصل؟ اختلف في ذلك العلماء] اهـ.
وقد وردت بعض الأحاديث الشريفة التي أفادت عند فقهاء الحنابلة ومن وافقهم صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة قبل الزَّوال.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّه سُئِل: مَتَى كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الجُمُعَةَ؟ قال: «كَانَ يُصَلِّي، ثُمَّ نَذهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا» أخرجه الإمام مسلم.
قال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في "كشف المشكل مِن حديث الصحيحين" (3/ 59، ط. دار الوطن): [هذا دليل لمن يرى جواز صلاة الجمعة قبل الزوال] اهـ.
وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنَّه قال: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنصَرِفُ وَلَيسَ لِلحِيطَانِ ظِلٌّ نَستَظِلُّ فِيهِ» أخرجه الشيخان.
قال الأمير الصَّنْعَاني في "سبل السلام" (1/ 398، ط. دار الحديث): [صلاة النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم مع قراءته سورة الجمعة والمنافقين وخطبته، لو كانت بعد الزَّوال لما ذهبوا مِن صلاة الجمعة إلا وللحيطان ظلٌّ يُستَظلُّ به] اهـ.
وانطلاقًا مِن هذه الأحاديث وما وافقها مِن الآثار ذهب الحنابلة إلى القول بجواز الترخص بصلاة الجمعة قبل وقت وجوبها عند زوال الشمس عن كبد السماء -وقت صلاة الظهر- خلافًا للجمهور، كما رُوي ذلك عن بعض الصحابة، كعبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما، وبعض التابعين: كعطاء، وإسحاق، ومجاهد.
قال الإمام التِّرْمِذِي في "السنن" (2/ 377، ط. مصطفى الحلبي): [الذي أجمع عليه أكثر أهل العلم أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس كوقت الظهر، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. ورأى بعضهم أنَّ صلاة الجمعة إذا صُلِّيت قبل الزوال أنها تجوز أيضًا. وقال أحمد: "وَمَن صلاها قبل الزَّوال فإنَّه لم يَرَ عليه إعادة"] اهـ.
وقال الإمام ابن بطَّال في "شرح صحيح البخاري" (2/ 497- 498، ط. مكتبة الرشد): [أجمع الفقهاء على أن وقت الجمعة بعد زوال الشمس، إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: جائز أن تصلى الجمعة في وقت صلاة العيد؛ لأنها صلاة عيد. وقال أحمد بن حنبل: تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال] اهـ.
وقال الإمام النووي في "المجموع" (4/ 511، ط. دار الفكر) نقلًا عن الإمام العبدري: [قال العلماء كافة: لا تجوز صلاة الجمعة قبل الزوال، إلا أحمد، ونقل الماوردي في "الحاوي" عن ابن عباس كقول أحمد، ونقله ابن المنذر عن عطاء وإسحاق] اهـ.
وقال الإمام البُهُوتي الحنبلي في "كشاف القناع" (2/ 26، ط. عالم الكتب) في ذكر وقت الجمعة: [(وتُفعل فيه) أي: فيما قبل الزَّوال (جوازًا أو رخصةً، وتجب بالزوال). ذكر القاضي وغيره أنَّه المذهب (وفِعْلُها بعده) أي: الزَّوال (أفضل)] اهـ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض