على فكرة
ليس هناك معنى أن يتواصل عرض مسرحية خالد جلال «حاجة تخوف» للموسم الثالث، فى مسرح الإبداع فى قلب ساحة الأوبرا، إلا أن المسرح الجاد – خلافا لما يروج له صناع المسرح التجارى ومطلقو شعار الجمهور عايز كده -لا يزال قادرا على جذب الجمهور، لاسيما عندما يخاطب عقولهم ووجدانهم، ويقتحم عوالهم، ويكشف مشاكلهم، ويشركهم معه فى السخرية من عيوبهم ويحفزهم على مواجهة النفس والتغلب على اعوجاجها وتفكيك بنية الوهم التى رسموها لها، بابتكار قوالب فنية ممتعة ومسلية، تشعره بأنه جزء من العرض، لا مجرد متلقٍّ سلبى لأحداثه وقائعه، وتحقق قولة الصوفى العظيم جلال الدين الرومى أن الروح التى فيها شىء من روحك، تعرف كيف تخاطبك.
راهن خالد جلال مخرج العرض، وصائغه بورشة عمل جماعى لاستديو المواهب الذى أسسه لتدريب الممثلين وتقديمهم لساحات العمل الدرامى والفنى فى مجالات المسرح والتليفزيون والسينما، ضمت أكثر من خمسين ممثلا، راهن على حفز الجمهور على الوعى النقدى ليس فحسب للظواهر الاجتماعية المخيفة التى ترصد أبنية القمع فى الواقع الاجتماعى وباتت تتحكم فى مصائره، بل كذلك بتشجيعه على معرفة نفسه التى يتوهم أنه يعرفها، بينما الحقيقى الذى يسكنها هو شىء آخر، سوف يكتشف حين ينظر داخلها، أنه لم يكن يعرفها، لأنه يخشى مواجهتها، ويتهرب من ثقل مساءلتها، فيجعل العرض من الإقدام على تلك المساءلة طوق نجاة من شأنه أن يمنح القدرة على التمييز بين سكة السلامة وسكة الندامة، ولمس أهداب التوازن النفسى والاجتماعى، وجنى بعض ما يجود به الدهر من سعادة وإنصاف.
لم تكن صدفة إذن أن تبدو خشبة المسرح كأن لا فرق ولا فواصل بينها وبين صالة جلوس الجمهور التى اكتظت على آخرها بالحضور. أوليس هؤلاء هم المعنيين برسالة العرض ؟ وأظهر المشهد الذى يبدأ العرض وينتهى به، الذى يكرر فيه الممثلون وسط إضاءة داكنة وسواد يعم خشبة العرض ويكسو الملابس، فى احتفاء بالحداد الذى يمثله اللون الأسود، وسخرية ماجنة، من تشوهات النفس البشرية المثقلة بالعيوب والذنوب وهى تكرر صيحتها المذعورة «أنا ما عملتش حاجة» لكى يصبح التساؤل المنطقى لدينا، من هو المذنب إذن؟!
يروى العرض فى مجموعة من المشاهد المتوالية والمتشابكة، تعج بالمفارقات المدهشة التى تثير الضحك وتجلب الدمع الهتون، قصة عربة تقل مجموعة من الناس تتعطل فى مكان مجهول، فيرشدهم أحدهم إلى قصر تملؤه المرايا ويملكه رجل يعيش معه بناته الثلاث اللاتي لا يشغلهن غير تصوير ما يجرى من آخرين، حيث تبدو الشخصيات الأربع غريبة الأطوار.
كان شرط البقاء فى القصر، التحذير الذى ساقه صاحبه إلى الركاب التائهين، ألا ينظروا إلى المرايا، لكن الفضول الإنسانى يغلبهم، فينظرون إليها ليروى كل واحد منهم قصته مع المخاوف الدفينة التى تعرقل توقه العارم إلى حرية الاختيار وتعوق حقه فى الإنصاف والتحقق.
مع كل حكاية نكتشف باختزال فى السرد، الذى تشكل من الارتجال الذى ينمى قدرات الممثل التعبيرية فى ورشة التدريب، وبتركيز على الصورة والحركة الجماعية والموسيقى المصاحبة، الفروق الواضحة بين الحب وبين التملك الذى يهلك صاحبه، وحالة العزلة الفردية التى تخلفها وسائل التواصل الاجتماعى. كما تفضح الحكايات، ضحالة الواقع الثقافى، وقدرة الادعاءات الكاذبة على تزوير التاريخ وإلباس الأكاذيب ثوب الحقائق فى الحرب الثقافية الموجهة إلينا. كما تسفه العالم الزائف للاستهلاك، الذى يجرى وراء تقاليع شكلية، تحدد نماذج نمطية للجمال بتسليع المرأة بما يفقدها الثقة فى نفسها، والاغتراب عن ذاتها.
وعلى الرغم من أن العرض عمل جماعى، لفريق تمثيل معظمه شباب منحوا العرض حيويته، بعربدتهم الرشيقة وخفة ظلهم وايماءتهم بالغة الدلالة، فقد تمكنت براعة وحساسية المخرجة المنفذة علا فهمى، التى أحكمت سرعة الإيقاع الحركى والصوتى، فى إفساح المجال لتفرد كل واحد منهم، لكى يتحقق الهدف الذى كان ينشده الفنان خالد جلال.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض