رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم تعد السياحة فى عالم اليوم مجرد زيارة لمعالم أثرية أو الاستمتاع بمناظر طبيعية خلابة،ـ بل أصبحت تجربة متكاملة تُبنى تفاصيلها منذ اللحظة الأولى لوصول السائح وحتى مغادرته ومن هنا أصبحت السمعة السياحية أحد أهم الأصول الاقتصادية للدول بل ربما أكثرها تأثيراً فى عصر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعى.
تمتلك مصر من المقومات الحضارية والتاريخية والثقافية ما يضعها فى مقدمة الوجهات السياحية العالمية غير أن الحفاظ على هذه المكانة لا يعتمد فقط على تطوير المتاحف والمطارات وشبكات الطرق وإنما يرتبط أيضاً بجودة الخدمات المقدمة للزائر ومدى شعوره بالاحترام والشفافية والأمان خلال رحلته، ورغم النجاحات الكبيرة التى حققتها الدولة المصرية فى تطوير القطاع السياحى خلال السنوات الأخيرة فإن بعض الممارسات الفردية السلبية ما زالت تظهر فى بعض المناطق السياحية والخدمية، سواء فى صورة مغالاة فى الأسعار أو إلحاح غير مبرر فى تقديم الخدمات أو استغلال محدود لعدم معرفة السائح بالأسعار المحلية، وهى ممارسات لا تعكس بطبيعة الحال أخلاق المجتمع المصرى المعروف بكرم الضيافة لكنها تترك أثراً قد يتجاوز حجمها الحقيقى ليؤثر فى الصورة الذهنية للمقصد السياحى المصرى، ويُعد قطاع النقل من أكثر القطاعات تأثيراً فى تشكيل انطباع السائح باعتباره نقطة الاحتكاك اليومية المباشرة مع الزائر، فغياب وضوح التكلفة فى بعض الحالات أو اضطرار السائح إلى التفاوض على الأجرة قد يخلق شعوراً بعدم الشفافية حتى وإن كان أغلب العاملين فى القطاع يلتزمون بالمعايير المهنية، لذلك فإن تطوير منظومة النقل السياحى يمثل أولوية مهمة فى تحسين تجربة الزائر وتعزيز ثقته وتُظهر التجارب الدولية الناجحة أن أحد أسرار نجاح المقاصد السياحية يتمثل فى وضوح الأسعار وسهولة الحصول على الخدمة وإتاحة وسائل الدفع الإلكترونى وأنظمة الشكاوى الفورية، فالدول التى نجحت فى بناء سمعتها السياحية لم تعتمد فقط على الرقابة والعقوبات، بل رسخت ثقافة مؤسسية تعتبر السائح استثماراً طويل الأجل وليس فرصة لتحقيق مكاسب سريعة ومن منظور اقتصادى، فإن أى ربح فردى ناتج عن استغلال سائح لا يُقارن بالخسائر التى قد تلحق بالاقتصاد الوطنى نتيجة تراجع الثقة فى المقصد السياحى، فالسائح الراضى يعود مرة أخرى ويشجع الآخرين على الزيارة، بينما تؤدى التجارب السلبية إلى تراجع معدلات التوصية والعودة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الإيرادات وفرص العمل والاستثمارات المرتبطة بالقطاع.
كما أن القضية لا تتوقف عند حدود الاقتصاد بل تمتد إلى أبعاد أمنية وإعلامية تتعلق بصورة الدولة وقوتها الناعمة، فالتقارير السلبية المتكررة أو الشكاوى المتداولة عبر المنصات الدولية قد تستغل لتقديم صورة غير دقيقة عن الواقع المصرى، الأمر الذى يجعل حماية تجربة السائح جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادى للدولة، ولمواجهة هذه التحديات تبرز الحاجة إلى استراتيجية متكاملة تقوم على أربعة محاور رئيسية، هى الشفافية الكاملة فى إعلان الأسعار والتوسع فى الرقمنة والحوكمة الذكية ورفع كفاءة العاملين فى القطاعات المرتبطة بالسياحة وسرعة الاستجابة لشكاوى الزوار بلغاتهم المختلفة.
كما يمكن دعم هذه الرؤية من خلال إطلاق منصة وطنية موحدة لخدمات السائح وتعميم استخدام رمز الاستجابة السريعة (QR Code) لعرض الأسعار الرسمية وتلقى الشكاوى وإلزام وسائل النقل السياحية بأنظمة تسعير إلكترونية واضحة، إلى جانب تكثيف الرقابة واستحداث مؤشر وطنى لقياس رضا السائح بصورة دورية.
وفى النهاية، فإن مصر لا تواجه أزمة فى مقوماتها السياحية، بل تمتلك من عناصر الجذب ما يؤهلها لمكانة عالمية أكثر تقدماً ويبقى التحدى الحقيقى فى أن تكون التجربة اليومية للزائر على مستوى عظمة الحضارة المصرية، فحماية السائح من أى شكل من أشكال الاستغلال ليست دفاعاً عن الزائر وحده وإنما استثمار مباشر فى سمعة الدولة واقتصادها ومستقبل أحد أهم قطاعاتها الاستراتيجية.

المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية