بداية تقليد زيارة المدينة المنورة بعد أداء مناسك الحج
بدأ تقليد زيارة المدينة المنورة بعد الحج منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فبعد أن كان الحُجَّاج يؤدون مناسكهم في مكة المكرمة، كانوا يتجهون شمالًا إلى المدينة المنورة؛ لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وللصلاة في المسجد النبوي.
زيارة المسجد النبوي
قال ابن كثير - رحمه الله-: "وكان الصحابة رضي الله عنهم إذا فرغوا من الحج، توجهوا إلى المدينة؛ لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم". [ابن كثير، البداية والنهاية، ط: دار الفكر، ١٤٠٧هـ (ج٤، ص ١٢٠)].
واستمر هذا التقليد عبر العصور الإسلامية المختلفة، وأصبح زيارة المدينة المنورة جزءًا لا يتجزأ من رحلة الحج بالنسبة لمعظم الحجاج، وخاصة المصريين.
قال المقريزي - رحمه الله-: "وكان الحجاج لا يتركون زيارة المدينة المنورة بعد الحج، ويعتبرونها تمامًا لرحلة الحج". [المقريزي، الخطط والآثار، ط: دار الكتب العلمية، ١٤١٨هـ (ج٢، ص ١١٥)].
أهمية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآدابها
كان الحُجَّاج يحرصون على زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة، إظهارًا لمحبتهم له، وتأسيًا بهديه، ودعاء له.
وكانوا يقفون أمام قبره الشريف بأدب واحترام، ويصلون عليه، ويسلمون عليه، ويتضرعون إلى الله أن يشفع لهم يوم القيامة.
قال ابن بطوطة - رحمه الله - واصفًا زيارته لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "ثم دخلنا المسجد النبوي، وتوجهنا إلى الحجرة الشريفة، وسلمنا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى صاحبيه سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر رضي الله عنهما، وخرجنا والدموع تملأ أعيننا". [ابن بطوطة، تحفة النظار (ج١، ص ٢٤٠)].
وقد ذكر العلماء آدابًا عامة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منها:
الطهارة والاحترام: كان الحُجَّاج يغتسلون ويتطيبون قبل دخول المسجد النبوي.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كانوا يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند دخولهم المسجد.
التوجه إلى الحجرة الشريفة: كانوا يقفون أمام الحجرة بأدب وخشوع.
الدعاء: كانوا يدعون لأنفسهم ولأهليهم خاصة وللمسلمين عامة.
البكاء: كان كثير من الحُجَّاج يبكون عند رؤية قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم شوقًا وحبًا.
قال ابن جبير - رحمه الله -: "ورأيتُ من الحُجَّاج من يبكي عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكاءً شديدًا حتى كادوا يغشى عليهم". [ابن جبير، رحلة ابن جبير (ص ٧٨)].
طريق مكة المدينة والمحطات والمشقة
كان الطريق من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة شاقًا وطويلًا، يقطعه الحُجَّاج في عدة أيام، وكانت المسافة بين المدينتين حوالي ٤٠٠ كيلومتر، وكان الحُجَّاج يسيرون فيها لمدة تتراوح بين ١٠ إلى ١٥ يومًا.
وكان الطريق يمر بمحطات معروفة، يتوقف فيها الحُجَّاج؛ للراحة والتزود بالماء والطعام.
المحطة الأولى: مكة المكرمة، قال الأزرقي - رحمه الله-: "وكان الحجاج يخرجون من مكة بعد فراغهم من المناسك، ويتجهون شمالًا إلى المدينة". [الأزرقي، أخبار مكة، دار الأندلس (ج١، ص ٢١٠)].
المحطة الثانية: السير إلى سرف، قال ابن جبير - رحمه الله -: "ثم سرنا إلى سرف، وهي قرية صغيرة على طريق المدينة، فيها بئر ماء عذب، وأقمنا بها يومًا واحدًا". [ابن جبير، رحلة ابن جبير (ص ٧٠)].
المحطة الثالثة: الوصول إلى الرويثة، قال ابن بطوطة - رحمه الله -: "ثم وصلنا إلى الرويثة، وهي محطة معروفة على طريق المدينة، بها آبار ومزارع، واسترحنا بها يومين". [ابن بطوطة، تحفة النظار (ج١، ص ٢٣٥)].
المحطة الرابعة: السقيا، قال الطبري - رحمه الله -: "ثم ساروا إلى السقيا، وهي مدينة صغيرة بها عيون ماء جارية، وأقاموا بها ثلاثة أيام". [الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ط: دار الكتب العلمية، ١٤٠٧هـ (ج٥، ص ١٣٠)].
المحطة الخامسة: العرج، قال ابن جبير - رحمه الله - : "ثم سرنا إلى العرج، وهي وادٍ به نخيل ومياه، وأقمنا بها يومًا" [ابن جبير، رحلة ابن جبير، ص ٧٢].
المحطة السادسة: الأبواء، قال ابن بطوطة - رحمه الله -: "ثم وصلنا إلى الأبواء، وهي قرية صغيرة، دفن بها سيدتنا آمنة بنت وهب رضي الله عنها أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووقفنا عند قبرها ندعو لها". ينظر: [ابن بطوطة، تحفة النظار، ج١، ص ٢٣٧].
المحطة السابعة: المدينة المنورة، قال الأزرقي - رحمه الله -: "فإذا وصل الحُجَّاج إلى المدينة، استقبلهم أهلها بالترحاب، وابتدأوا في أداء زيارة المسجد النبوي وقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم". [الأزرقي، أخبار مكة، ج١، ص ٢١٢].
كيف كانت قوافل الحجيج تتجه إلى المدينة؟
كانت قوافل الحجيج تتجه من مكة إلى المدينة في مواكب منظمة، مثلها مثل رحلة الحج نفسها، وكان أمير الحج المصري هو المسؤول عن تنظيم هذه الرحلة أيضًا.
وكانت القوافل تحمل معها الماء والزاد، وتستعد لمواجهة أخطار الطريق.
قال ابن إياس- رحمه الله: "وكان الحجاج المصريون بعد فراغهم من الحج يتوجهون إلى المدينة المنورة في موكب منظم، يحرسهم أمير الحج والجنود". [ابن إياس، بدائع الزهور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٤م (ج٢، ص ٥٠)].
وكانت قوافل الحجيج من مختلف الأمصار تلتقي في طريقها إلى المدينة، فتزدحم الطرق بالحجيج، وتكثر الأصوات بالتكبير والتهليل والتلبية.
زيارة حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في الماضي
كان الحُجَّاج يقضون في المدينة المنورة عدة أيام تتراوح بين أسبوع إلى أسبوعين، يؤدون خلالها الصلوات في المسجد النبوي، ويزورون قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويزورون البقيع وأُحُدًا.
وكانت المدينة المنورة في تلك الأيام تعيش احتفالات روحية مهيبة، كانت المساجد تمتلئ بالمصلين، والطرقات تمتلئ بالزائرين.
قال ابن جبير - رحمه الله: "وأقمنا بالمدينة المنورة عشرة أيام كنا نصلي كل يوم في المسجد النبوي، ونزور قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل يوم، ونزور شهداء أُحُد". [ابن جبير، رحلة ابن جبير، ص ٨٠].
كما كان الحُجَّاج يتبادلون الزيارات مع أهل المدينة، ويتعاونون في الخير، ويوزعون الصدقات على الفقراء والمساكين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض