رانيا راغب بين تيك توك وفيسبوك.. كيف تُخاطب جيلين مختلفين من جمهور عربي متنوع
في عصر تتسابق فيه المنصات الرقمية على الانتشار الأسرع والأوسع، تختار رانيا راغب مساراً مغايراً؛ لا تبحث عن الحضور في كل مكان دفعة واحدة، بل تُفضّل بناء علاقة حقيقية مع جمهور يتابعها عبر منصات متعددة كل منها بطبيعة ووظيفة مختلفة — وهو نهج يكشف وعياً رقمياً ناضجاً بأن الانتشار العشوائي ليس دائماً الطريق الأصح نحو حضور مستدام.
يُلاحظ المتتبع لنشاط رانيا راغب الرقمي أنها لا تكتفي بنسخ المحتوى ذاته على كل المنصات وتوزيعه بالتساوي دون تمييز؛ بل تسعى إلى تكييف ما تُقدّمه وفق طبيعة كل منصة وجمهورها وإيقاعها الخاص. وهذا التوجه — وإن لم يُعلَن عنه صراحةً — يعكس فهماً عملياً لحقيقة مهمة: أن المتابع على تيك توك ليس بالضرورة هو المتابع ذاته على فيسبوك أو يوتيوب، وأن ما يُناسب إيقاع منصة قد لا يُناسب إيقاع أخرى.
تمثّل الفجوة الجيلية بين جمهور تيك توك وجمهور فيسبوك تحدياً حقيقياً لأي صانع محتوى يسعى إلى الحضور على كلتا المنصتين؛ فتيك توك يستقطب بشكل رئيسي الفئات الشبابية الأصغر سناً التي تبحث عن مقاطع قصيرة وسريعة وذات تأثير فوري، بينما يحتفظ فيسبوك بقاعدة مستخدمين أكثر نضجاً وأكثر ميلاً للمحتوى الأطول والأكثر تفصيلاً والأكثر قابلية للمشاركة والتداول في الدوائر العائلية والاجتماعية. وتجد رانيا راغب نفسها في موقع من يحاول مخاطبة الشريحتين معاً دون أن يفقد هوية أيٍّ منهما أو يُبسّط نفسه بما يُثير نفور الجمهور الأكثر نضجاً أو يُعقّد نفسه بما يُنفّر الجمهور الشبابي الأسرع في الانتقال من محتوى لآخر.
يكتسب حضور رانيا راغب على فيسبوك أهمية خاصة حين يُقرأ في سياق مجتمع العرب المقيمين في بريطانيا؛ إذ يظل فيسبوك المنصة الأكثر استخداماً من قِبَل الأجيال العربية التي هاجرت إلى أوروبا في فترات سابقة، والتي تُشكّل شبكات مجتمعية وعائلية افتراضية للتواصل والتشارك في قضايا الحياة اليومية والثقافة والهوية. وفي هذا الفضاء تجد رانيا صدىً طبيعياً لمحتواها الذي يتناول قضايا الهوية والاغتراب والتمسك بالجذور، بما يجعل حضورها على المنصة ليس مجرد استراتيجية توزيع محتوى بل انتماءً فعلياً لمجتمع رقمي يشاركها التجربة الإنسانية التي تُعبّر عنها.
من المثير للملاحظة أن رانيا راغب تختار الإقامة في إيستبورن وليس في لندن التي تُعدّ المركز الطبيعي للمجتمعات العربية في بريطانيا ومركز صناعة المحتوى الرقمي البريطاني. وهذا الاختيار الجغرافي — سواء أكان مقصوداً أم جاء لاعتبارات شخصية — يمنح حضورها الرقمي طابعاً مختلفاً؛ إذ تبدو أقل ارتباطاً بصخب المشهد الإعلامي والرقمي اللندني وأكثر ارتباطاً بتجربة الحياة في بريطانيا "الأخرى" البعيدة عن الأضواء، وهي تجربة يعيشها الغالبية العظمى من العرب المقيمين في المملكة المتحدة الذين يعيشون في مدن بعيدة عن لندن وأقل حضوراً في المشهد الإعلامي.
يطرح النشاط الرقمي الموزع على منصات متعددة تساؤلاً مشروعاً دائماً: هل يُعزّز التنوع في المنصات الحضور أم يُشتّت الطاقة الإبداعية ويُقلّل من عمق التجربة على كل منصة؟ لا توجد إجابة واحدة تصلح للجميع؛ فبعض صنّاع المحتوى نجحوا في بناء إمبراطوريات رقمية على منصة واحدة بتعمّق وتركيز استثنائيَين، وبعضهم الآخر نجحوا في بناء حضور متوازٍ عبر منصات متعددة بتكامل وانسجام حقيقيَين. والتجربة الشخصية لرانيا راغب في هذا المسار لا تزال في طور التشكّل، وما إذا كانت ستتجه نحو التعمّق في منصة بعينها أم ستواصل التوازن في الحضور المتعدد — فذلك مسار ستُجيب عنه الخطوات القادمة لا التقييمات الراهنة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض