رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 لم يعد الفلاح يستيقظ قبل شروق الشمس، ويحمل فأسه كما يحمل همومه، ويذهب إلى الأرض التي ورثها عن أبيه وجده، ولم يعد مؤمنًا بأن التراب الذي عرف خطواته منذ الطفولة لن يخذله، إلا القليل منهم.. يحرث، ويبذر، ويروي، وينتظر أوان الحصاد كما ينتظر الأب نجاح أبنائه، لكن المفارقة أن هذا الرجل الذي يطعم الملايين بات عاجزًا أحيانًا عن إطعام أسرته، وأن من يزرع الأرض كثيرًا ما يعود إلى بيته وجيوبه خاوية ومحملًا بالخسائر.
 فماذا حصد بعد أشهر من التعب والمشقة والديون والعمل تحت أشعة الشمس الشديدة غير مزيد من الأعباء، وقليل من الأمل، وكثير من الإحباط.
الموسم يبدأ بالدَّين وينتهي إما بستر ربنا أو خسائر فادحة.
الزراعة أصبحت هذه الأيام مغامرة محفوفة بالمخاطر، إذ يبدأ الموسم بشراء التقاوي والأسمدة والمبيدات، ثم تتوالى نفقات الحرث والري والعمل طوال المدة التي يستمر فيها المحصول بالأرض فضلاً على النقل، وكل خطوة في الطريق تكلِّفه مالًا لا يملكه، فيلجأ إلى الاقتراض، واضعًا زرعه الذي ينتظره رهينة لأمنية أن يغطي العائد منه تكاليف ما أنفقه.
 غير أن الواقع كثيرًا ما يكون أكثر قسوة، فقد ينخفض سعر المحصول وقت الحصاد، أو تهاجمه الآفات الزراعية، أو ترتفع تكلفة الوقود والري، فيكتشف الفلاح أن أشهر من العمل الشاق لم تحقق له سوى الخسارة. 
 وبين الأرض والسوق يقف الفلاح وحيدًا في مواجهة معادلة غير منصفة، فهو يتحمل تكلفة الإنتاج، ويواجه تقلبات الطقس والأسعار، بينما يحصل التجار والسماسرة على النصيب الأكبر من الأرباح، وإذا كان التاجر يربح من حركة السوق، فالفلاح يراهن بكل ما يملك على موسم قد ينتهي بخسارة قاسية.
 في اعتقادي أن هذا الأمر لا يهدد الفلاحين وحدهم، بل يهدد الأمن الغذائي بأكمله، فعندما ينفق الفلاح على أرضه أكثر مما يجنيه من محصوله، فإن الخسارة لا تقع عليه فقط بل تمتد إلى المجتمع كله، فمن يترك الأرض تحت ضغط الخسائر قد لا يعود إليها مرة أخرى، وحينها سندفع جميعًا ثمن تجاهل هذا الرجل الذي ظل عقودًا طويلة يزرع ويحصد ويُؤمّن موائدنا.

 الفلاحون حراس الأرض، والسند الحقيقي لاقتصادنا القومي، لا يزالون يواجهون تحديات تتجاوز قدراتهم الفردية.
 أرى أن دعم الفلاحين ليس مسألة اجتماعية فقط بل قرار اقتصادي واستراتيجي، لأن كل جنيه يُنفق في مساندتهم يتحول إلى غذاء واستقرار وفرص عمل وحماية للأرض الزراعية،
وإنصافهم يبدأ بإجراءات واضحة وعملية، في مقدمتها إعلان أسعار عادلة للمحاصيل الأساسية قبل موسم الزراعة مقارنةً بما يبذله من مجهود، وحتى يعرف المزارع قبل دخول الموسم الحد الأدنى الذي يحفظ له حقه، كما يتطلب الأمر توفير الأسمدة والتقاوي الجيدة بأسعار مخفضة، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والتلاعب في الأسعار.
 إن إنشاء منظومة تسويق متطورة وأكثر عدالة تقلل من سيطرة الوسطاء أمر ضروري جدًا، إلى جانب التوسع في التأمين الزراعي ضد الكوارث الطبيعية، وتقديم قروض ميسرة بفوائد منخفضة، وتفعيل دور الإرشاد الزراعي لمساعدة الفلاحين على استخدام أحدث الأساليب التي تخفض التكلفة وتزيد الإنتاج.

 لعل أقل ما يمكن أن نقدمه له هو أن نمنحه من الدعم ما يجعله يشعر بأن الدولة لا تتركه وحيدًا في مواجهة الخسارة وقسوة الحياة.