تقويم الذات بعد الحج.. الأزهر يوضح كيف تصنع العبادات إنسانًا أفضل
تقويم الذات هو الرسالة الأعمق التي أكد عليها علماء الأزهر الشريف خلال الاحتفال بموسم الحج وعيد الأضحى المبارك، مشيرين إلى أن العبادات في الإسلام لم تُشرع لمجرد أداء الطقوس والشعائر، وإنما لتحقيق إصلاح النفس وتهذيب السلوك، وغرس القيم الإيمانية التي ترافق المسلم طوال حياته.
جاء ذلك خلال احتفالية نظمها الأزهر الشريف بالتعاون مع إذاعة القرآن الكريم من رحاب الجامع الأزهر في ثالث أيام عيد الأضحى المبارك، حيث تناولت الكلمات المعاني الإيمانية العظيمة للحج وأثرها في بناء شخصية المسلم.
تقويم الذات من أعظم ثمار الحج
وأوضح الدكتور شعبان عطية، أستاذ التفسير بجامعة الأزهر، أن تقويم الذات يتحقق من خلال اغتنام الأيام المباركة واستثمار نفحاتها الإيمانية، مستشهدًا بقول الله تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ».
وأكد أن المقصود من فريضة الحج لا يقتصر على أداء المناسك فقط، بل يمتد إلى ترسيخ المعاني الإيمانية العميقة في نفوس المسلمين، سواء من أدوا الفريضة أو من لم يتمكنوا من أدائها، إذ تحمل شعائر الحج رسائل تربوية وإيمانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
الحج يذكر المسلم بحقيقة الدنيا
وأشار إلى أن الحج يضع الإنسان أمام حقيقة الدنيا وزوالها، حيث يترك الحاج ماله وأهله ومكانته الاجتماعية متوجهًا إلى الله تعالى مجردًا من مظاهر الحياة، وهو ما يذكره بقوله سبحانه: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ».
وأضاف أن هذه المعاني تمثل جانبًا مهمًا من تقويم الذات؛ لأنها تدفع المسلم إلى مراجعة أعماله والاستعداد للقاء الله تعالى، وإعادة ترتيب أولوياته وفق ما ينفعه في دنياه وآخرته.
استمرار الطاعة بعد انتهاء الموسم
وشدد أستاذ التفسير بجامعة الأزهر على أن المسلم لا ينبغي أن يتوقف عن الطاعات بانتهاء موسم الحج أو أيام العيد، بل يجب أن تستمر آثار هذه العبادات في حياته اليومية.
وأوضح أن الحجاج وغيرهم من المسلمين تعودت ألسنتهم خلال هذه الأيام المباركة على الذكر والتسبيح والتكبير، كما رقت قلوبهم بالقرب من الله تعالى، ومن ثم فإن تقويم الذات الحقيقي يظهر في استمرار هذه الحالة الإيمانية بعد انتهاء المواسم المباركة.
وأضاف أن الحج يعد تدريبًا عمليًا على الطاعة والاستقامة، وأن الزاد الحقيقي الذي يكتسبه المسلم من هذه الرحلة الإيمانية يجب أن يظل حاضرًا في سلوكه حتى يلقى الله عز وجل.
الإكثار من الذكر والقرآن
ودعا إلى الإكثار من ذكر الله تعالى بمختلف صوره، سواء بقراءة القرآن الكريم أو التهليل والتحميد والتكبير أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أن هذه الأعمال من أعظم ما يعين المسلم على الثبات والاستقامة.
وأشار إلى أن مشاهد الحج وشعائره تمثل مدرسة تربوية متكاملة ينبغي للمسلم أن يستفيد منها في إصلاح قلبه ونفسه، وأن يجعل منها منطلقًا جديدًا نحو حياة أكثر قربًا من الله تعالى.
النية الصالحة ترفع صاحبها
واستشهد الدكتور شعبان عطية بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الدنيا لأربعة نفر...»، والذي يبين فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر النية الصالحة في رفع درجات العباد، حتى إن من صدقت نيته في فعل الخير نال أجره وإن لم يملك أسبابه.
وأكد أن هذا المعنى يرسخ أهمية الإخلاص لله تعالى، ويكشف أن قيمة الأعمال لا تقاس بالمظاهر وحدها، وإنما بما تحمله القلوب من صدق وإرادة وعزم على الطاعة.
العبادات ليست مظاهر شكلية
وحذر من الاكتفاء بالمظاهر الخارجية للعبادات دون تحقيق مقاصدها الحقيقية، مبينًا أن بعض الناس يؤدون العبادات شكلاً بينما تغيب عنهم آثارها التربوية والسلوكية.
وأوضح أن تقويم الذات هو الهدف الأسمى من جميع العبادات، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما أخبر الله تعالى في قوله: «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ»، والصيام يعلم الصبر وضبط النفس، والحج يغرس معاني التواضع والطاعة والإخلاص.
وأضاف أن المسلم ينبغي أن يخرج من عباداته وقد أصبح أكثر التزامًا بالأخلاق الفاضلة، وأقرب إلى الله تعالى، وأكثر حرصًا على نفع الناس وصلة الأرحام وإصلاح المجتمع.
رسالة الحج باقية بعد العودة
واختتم حديثه بالتأكيد على أن النجاح الحقيقي للحاج وللمسلم عمومًا لا يقاس بانتهاء الشعيرة، وإنما باستمرار أثرها في الحياة اليومية، فالحج مدرسة إيمانية كبرى، والموفق هو من يحمل دروسها معه بعد العودة، ويجعل من تقويم الذات منهجًا دائمًا يسير عليه في جميع شؤون حياته، ليحقق المقصد الأسمى من العبادة وهو القرب من الله تعالى وحسن الاستعداد للدار الآخرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض