تقارب «كاثوليكى- أرثوذكسى» فى «يوم الصداقة»
«الفاتيكان» تخاطب «الكنيسة القبطية»: تجاوزنا قروناً من سوء الفهم
«لاون الرابع عشر» لـ«البابا تواضروس»: صداقتنا مدخل للوحدة المسيحية
توافق بين الكنيستين على استمرار العمل المشترك من أجل تعزيز السلام والمصالحة
تنفيذية «الحوار اللاهوتى» تعد تقريراً عن عملها خلال 20 عاماً
لم تكن الرسالة التى بعث بها قداسة البابا لاون الرابع عشر- بابا الفاتيكان إلى نظيره قداسة البابا تواضروس الثانى- بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية، مجرد تهنئة بروتوكولية بمناسبة «يوم الأخوة»،– الذى تحتفل به الكنيستان الكاثوليكية، والقبطية الأرثوذكسية - فى العاشر من شهر مايو سنوياً-، وإنما بدت أقرب إلى إعلان جديد عن رغبة متبادلة فى دفع مسار التقارب الكنسى إلى مرحلة أكثر عمقاً.
واقترح البابا تواضروس الثانى - بابا الإسكندرية - بطريرك الكرازة المرقسية تخصيص يوم سنوى للاحتفال بالعلاقات الأخوية بين الكنيستين، إحياءً لذكرى لقاء البابا شنودة الثالث، والبابا بولس السادس عام 1973، إبان زيارته للفاتيكان، ولقائه البابا فرنسيس –بابا الفاتيكان الراحل فى مايو 2013.
ومؤخراً، احتفلت الكنيستان القبطية الأرثوذكسية، والكاثوليكية بالذكرى الثالثة عشرة ليوم الصداقة، بكنيسة الشهيد مارجرجس بالعاصمة الإيطالية «روما»، بحضور السفير حسين السحرتى سفير مصر لدى الفاتيكان، والأنبا برنابا مطران تورينو، وروما، ومن الكنيسة الكاثوليكية الكاردينال كورت كوخ رئيس مكتب وحدة الكنائس بالفاتيكان، والأب هيسنتى ديستيفلا من مكتب وحدة الكنائس.
بخلاف الرسالة التى حصلت «الوفد» على نسخة منها، أجرى البابا لاون الرابع عشر- بابا الفاتيكان اتصالاً هاتفياً بنظيره «البابا تواضروس الثانى»، تزامناً مع يوم «الأخوة»-، أكد خلاله عمق المحبة، وروح التعاون بينهما.
وحملت «الرسالة الفاتيكانية» التى بعث بها البابا لـ«بطريرك الكنيسة القبطية» أولوية واضحة لدى «الكاثوليكية» تتمثل فى إعادة تنشيط الحوار مع الكنائس الأرثوذكسية الشرقية، وفى القلب منها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
ويقول «بابا الفاتيكان» فى رسالته: «هذا الحوار، الذى كان ثنائياً فى بدايته، يجرى منذ عام 2003، فى إطار اللجنة الدولية المشتركة للحوار اللاهوتى بين الكنيسة الكاثوليكية، والكنائس الأرثوذكسية الشرقية، التى أظهرت وثائقها المرجعية الثلاث فهماً لاهوتياً متزايداً، وإننى لآمل أن تستأنف هذه اللجنة، التى تجتمع لجنتها التنسيقية حالياً فى روما، أعمالها فى أقرب وقت ممكن مع جميع كنائس العائلة الأرثوذكسية الشرقية».
وحسبما جاء فى سطورها الأولى، فإن «بابا الفاتيكان» الحالى أراد أن يؤكد حرصه على مواصلة «التقليد» الذى أرساه سلفه البابا فرنسيس فى بناء جسور التقارب مع الكنيسة المصرية، غير أن اللافت فى رسالته كان التركيز على مفهوم «الصداقة» باعتباره مدخلاً للوحدة المسيحية.
ولم يقدم «لاون الرابع عشر» الاحتفال السنوى الذى تحرص الكنيستين على إحيائه برسائل، ومقابلات على أنه مناسبة رمزية فحسب، وبعد إشارته إلى أن فكرته جاءت بمبادرة من «البابا تواضروس الثانى»، اعتبره تعبيراً عن مسار ممتد من الحوار بين «الكرسى البطرسى»- بما يعنى الكنيسة الكاثوليكية-، و«الكرسى المرقسى» بما يعنى الكنيسة الأرثوذكسية.
ويرجع تخصيص 10 مايو كيوم للأخوة «الصداقة» بين الكنيستين إلى تاريخ زيارة البابا شنودة الثالث لـ«الفاتيكان» فى العاشر من مايو عام 1973، كأول بطريرك قبطى أرثوذكسى يزور روما منذ الانقسام الكنسى الذى أعقب مجمع خلقيدونية عام 451م.
وخلال زيارة «البطريرك الراحل»، وعقب لقائه البابا بولس السادس – بابا الفاتيكان – وقتذاك، وقعا إعلاناً مشتركاً فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار اللاهوتى، والتقارب الروحى.
وحسب وصف «بابا الفاتيكان»- وفق ما تضمنت رسالته- فإن الصداقة فى المفهوم المسيحى ليست «شعوراً غامضاً»، وإنما جزء من جوهر الإيمان نفسه، لافتاً إلى أنها تعزز العلاقة بين الكنيستين، وتدعم شهادتهما المشتركة لمحبة الله فى العالم.
وتكشف رسالة «لاون الرابع عشر»، بصورة غير مباشرة، عن إدراك متزايد داخل الفاتيكان لأهمية الشراكة مع الكنائس الشرقية، خصوصاً فى ظل التحولات التى تشهدها المنطقة، معرجاً على أن بدايات التقارب انطلقت قبل أكثر من نصف قرن على يد البابا بولس السادس، والبابا شنودة الثالث، وأردف قائلاً: إن هذا المسار نجح فى تجاوز «قرون من سوء الفهم».
ولم يخف «رأس الكنيسة الكاثوليكية» امتنانه لـ»الكنيسة القبطية الأرثوذكسية» نظيره ما قدمته للمشاركين فى المؤتمر العالمى السادس لـ«لجنة إيمان ونظام»، بما فى ذلك الوفد الكاثوليكى، والذى عقد فى دير القديس الأنبا بيشوى، بوادى النطرون فى شهر أكتوبر الماضى.
ويستطرد قائلاً: «إننى واثق من أن التأملات التى أجريت بمناسبة الذكرى المئوية السابعة عشرة لـ«المجمع المسكونى الأول» ستحيى رغبتنا فى تحقيق الوحدة المرئيّة للكنيسة؛ تلك الوحدة الراسخة فى المعمودية الواحدة التى نعترف بها فى قانون الإيمان النيقاوى، والتى أصلى بصدق أن نبلغها».
«بابا الفاتيكان» الذى أبدى تطلعاً واضحاً إلى استئناف أعمال اللجنة الدولية المشتركة للحوار اللاهوتى بين الكنيسة الكاثوليكية، والكنائس الأرثوذكسية الشرقية، أشار إلى رغبة كنيسته فى الحفاظ على زخم التقارب الكنسى، رغم التعقيدات العقائدية، والتاريخية.
وفى خلفية الرسالة «البابوية» حضرت أزمات الشرق الأوسط بقوة، فالبابا الفاتيكانى لم يفصل الدعوة إلى الوحدة المسيحية عن الواقع المضطرب فى المنطقة، مؤكداً أن العالم، «ولا سيما الشرق الأوسط»، يعيش صراعات متزايدة تفرض على المسيحيين مسئولية مشتركة فى الشهادة للسلام.
هذا الربط بين الحوار الكنسى، والأوضاع السياسية بدا أكثر وضوحاً فى البيان الصادر عن دار «الصحافة» التابعة للكرسى الرسولى، والذى كشف عن اتصال هاتفى أجراه البابا لاون الرابع عشر مع البابا تواضروس الثانى، حيث شدد الجانبان على أهمية مواصلة العمل المشترك من أجل "تعزيز السلام والمصالحة"، إلى جانب منح «يوم الأخوة» دفعة جديدة خلال المرحلة المقبلة.
وبين الرسالة والاتصال الهاتفى، بدا أن العلاقة بين الفاتيكان، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية تتجاوز حدود المجاملات الكنسية التقليدية، لتتحول تدريجياً إلى مساحة أوسع للتنسيق الروحى، والإنسانى.
وينبئ عن ذلك ما تضمنه حوار البابا تواضروس الثانى مع إحدى صحف «كرواتيا» – على هامش المحطة الأخيرة من رحلته الرعوية التى استغرقت 15 يوماً، عن تطور العلاقة مع «الكاثوليكية»، لافتاً إلى أن الحوار اللاهوتى متوقف، بعد أن طلبت الكنائس الأرثوذكسية مزيداً من التوضيحات حول الوثيقة الخاصة بمباركة المثليين، والتى أبدى رفضه القاطع لها.
عطفاً على ذلك، أشار «البابا» إلى علاقات محبة راسخة، وزيارات متواصلة بين الكنيستين، معرجاً على أن العلاقات بين الكنائس تتضمن أربع خطوات على النحو التالى: بناء علاقات طيبة بين جميع الكنائس، ودراسة كل كنيسة لبقية الكنائس لمزيد من الفهم، ومعرفة تاريخ وعقائد وتقاليد الكنائس الأخرى، إلى جانب الحوار اللاهوتى، وأخيراً الصلاة من أجل وحدة المسيحيين.
وبـ«الصلاة من أجل الوحدة» اختتم البابا الفاتيكانى رسالته قائلاً:«بينما تستعد كنيستينا لعيد العنصرة، أصلى لكى يقود الروح القدس الكنيسة الكاثوليكية، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية حجنا المشترك فى الحق، والمحبة نحو الشركة الكاملة»، معرباً عن تطلعه لـ«لقاء البابا تواضروس الثانى».
إلى جانب ذلك شاركت الكنيسة الكاثوليكية المصرية فى اجتماع اللجنة التنفيذية الدولية المشتركة للحوار اللاهوتى بين الكنيسة الكاثوليكية، والكنائس الأرثوذكسية الشرقية، بدائرة تعزيز الوحدة المسيحية، بروما، خلال يومى الثانى عشر، والثالث عشر من مايو الجارى.
وأنابت الكنيسة الكاثوليكية بمصر فى المشاركة الأنبا توماس عدلى، مطران إيبارشية الجيزة والفيوم، وبنى سويف للأقباط الكاثوليك، وتألفت اللجنة من الرئيسين المشاركين الكاردينال كورت كوخ، رئيس دائرة تعزيز الوحدة المسيحية بالفاتيكان، والأنبا كيرلس أسقف عام لوس أنجلوس للأقباط الأرثوذكس، والأمينين المشاركين، رئيس الأساقفة ناريك ألميزيان، والأب هياسينت ديستيفيل، وفقاً لما تنص عليه لوائح اللجنة، كما حضر الاجتماع بصفة مراقب رئيس الأساقفة خاجاج بارساميان، والمطران برنابا السريانى.
واستناداً إلى هذه الاجتماعات العائلية، أعدت اللجنة التنفيذية تقريراً مشتركاً يقيم الحوار خلال عشرين عاماً ماضية، ويقترح الخطوات المستقبلية.
وعلى هامش الاجتماعات، استقبل البابا لاون الرابع عشر- بابا الفاتيكان- المشاركين فى اجتماع اللجنة التنفيذية للجنة الدولية المشتركة للحوار اللاهوتى بين الكنيسة الكاثوليكية، والكنائس الأرثوذكسية الشرقية، مثمناً مجهوداتها.
يشار إلى أن البابا تواضروس الثانى عاد إلى القاهرة بعد رحلة رعوية خارجية شملت زيارة أربع دول هى على الترتيب «تركيا، والنمسا، وإيطاليا، وكرواتيا»، واستغرقت 19 يوماً.
رافق البابا خلال زيارتى «تركيا، وكرواتيا»- وهما زيارتان للمرة الأولى منذ جلوسه على الكرسى المرقسي- الأنبا دانيال مطران المعادى، والأنبا توماس مطران القوصية ومير، والأنبا أنجيلوس اسقف لندن، والراهب القس عمانوئيل المحرقى مدير مكتب البابا، والقس مارك أسعد كاهن الكنيسة فى تركيا، والأنبا أبراهام الأسقف العام بـ«إيبارشية لوس أنجلوس»، والأنبا چيوڤانى أسقف وسط أوروبا، والراهب القس عمانوئيل المحرقى، والقس تادرس رياض كاهن كنيسة كرواتيا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض