رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه»
اعتاد بطل الحكاية أن تبدأ أيام الامتحانات بصورة واحدة لا تتغير كثيرًا؛ حيث الأوراق، وكشوف الحضور، والأقلام الاحتياطية، وأسئلة لا تنتهى من الطلاب عن الوقت المتبقى ونظام الإجابة. كان يعتقد أن أكثر ما يمكن أن يغير روتينه هو اختلاف القاعة أو زيادة عدد الأوراق. لكنه فى صباح مختلف تلقى تكليفًا جعله يعيد النظر فى توقعاته كلها؛ مفاده: الإشراف على لجنة امتحانية داخل السجن.
فى البداية ظن أن الأمر سيحمل قدرًا كبيرًا من الرسمية والتوتر، وربما شيئًا من المشاهد التى اعتدنا رؤيتها فى الأفلام. راجع التعليمات أكثر من مرة، ورتب أوراقه بدقة أكبر من المعتاد، وكأن زيادة التنظيم ستمنحه قدرًا إضافيًا من الاطمئنان. لكنه عندما وصل، اكتشف أن الواقع أقل درامية وأكثر بساطة.
دخل المكان بخطوات محسوبة، ومر بالإجراءات المعتادة حتى وصل إلى قاعة الامتحان. وما إن نظر حوله حتى فوجئ بأن المشهد مألوف أكثر مما توقع؛ طلاب يجلسون فى صمت يراجعون قبل بدء اللجنة، أحدهم يقرأ بسرعة كأنه يحاول حفظ فصل كامل فى دقائق، وآخر ينظر إلى الورقة الفارغة أمامه وكأنه ينتظر وحيًا أكاديميًا فى اللحظة الأخيرة.
بدأ توزيع الأسئلة، ومرّت الدقائق الأولى فى هدوء، ثم ارتفعت يد أحد الطلاب وسأل بهدوء شديد:
- يا دكتور.. السؤال الرابع محتاج توضيح.
ابتسم الأستاذ دون أن يشعر. فى داخله قال: يبدو أن السؤال الرابع لا يعترف بالمكان ولا الظروف، فهو دائمًا صاحب الأزمة الرسمية فى أى امتحان.
بعد قليل رفع طالب آخر يده وسأل:
- يا دكتور.. لو الإجابة مختصرة ينفع؟
وجاء رد الأستاذ تلقائيًا، كما قاله مئات المرات قبل ذلك:
- المهم الفكرة… وليس عدد السطور.
ثم توقف لحظة. ابتسم لنفسه وهو يدرك أنه نسى للحظة أين يعقد الامتحان أصلًا!
ومع مرور الوقت بدأ يلاحظ شيئًا بسيطًا لكنه مؤثر؛ أن هيئة الطالب لا تتغير كثيرًا من مكان إلى آخر؛ حيث القلق نفسه، والرغبة ذاتها فى إنهاء الإجابة، والنظرات نفسها التى تبحث عن تلميح أو تأكيد أو دقيقة إضافية.
حتى إن أحد الطلاب قد طلب ورقة إضافية بحماس جعل الأستاذ يضحك داخليًا. قال فى نفسه: الإنسان قد يختلف فى ظروفه، لكنه يظل مقتنعًا أن السؤال الأخير يستحق محاولة أخيرة.
عندما انتهت اللجنة وجُمعت الأوراق، وقف الأستاذ لحظة ينظر إلى المقاعد الخالية، لم يفكر فى الدرجات أو التصحيح، لكنه خرج بفكرة بسيطة: أن التعليم، فى لحظاته الصادقة، ينظر إلى الإنسان بوصفه طالبًا قبل أى شيء آخر.
وفى طريق العودة، شرب كوب الشاى المعتاد فى مكتبه، ثم قال لزميله مبتسمًا:
- الغريب إن دى أول لجنة فى حياتى تقريبًا… محدش طلب يروح الحمام خمس مرات.
ليكتشف أن بعض المواقف لا تجعلنا نضحك لأن الأماكن غريبة… بل لأن البشر، رغم اختلاف الظروف، أكثر تشابهًا مما نظن!!
«تلك كانت حكاية من حكاياتنا يقُصها الراوى، ويترك لكم التعليق».
أستاذ الإعلام بكلية الآداب – جامعة المنصورة.
[email protected]