رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكم قول المسلمين تقبل الله في عيد الأضحى

بوابة الوفد الإلكترونية

من المقرر شرعًا أن قول المسلم لأخيه في عيد الأضحى "تقبل الله"، يعد تهنئة مشروعة؛ إذ أنه قول مأثورٌ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسلف الأمة، كما أنه دعاءٌ بقبول ما سبقه وقارنه من أعمال صالحة، وكل ذلك مستحبٌّ شرعًا؛ لِمَا فيه من جلب المودة والمحبة بين الناس وإدخال السرور على قلوب المسلمين، ومن أجل ذلك شرع الله تعالى الأعياد.

ترغيب الشرع في دعاء المسلمين لبعضهم

يعد دعاء المسلم لأخيه بالقبول من الدعاء المستحسن شرعًا، فإن الدعاء مأمور به على كل حال؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، وقال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ» أخرجه ابن ماجه في "السنن"، وأحمد وأبو داود الطيالسي في "مسنديهما"، والطبراني في "المعجم الكبير"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وصححه الحاكم في "المستدرك".

وقد رغب الشرع الشريف في خصوص دعاء المسلم لأخيه، وبيَّن أنه مستجاب؛ فعن عبد الله بن يزيد قال: حدثني الصنابحي أنه سمع أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول: "إن دعاء الأخ لأخيه في الله عز وجل يستجاب" أخرجه الإمام أحمد في "الزهد"، والبيهقي في "شعب الإيمان"، والبخاري في "الأدب المفرد"، وابن المبارك في "الجهاد"، والدولابي في "الكنى والأسماء".

وقال العلامة القاري في "مرقاة المفاتيح" (4/ 1526، دار الفكر): [قيل: كان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة ليدعو له الملَك بمثلها، فيكون أعون للاستجابة] اهـ.

فإذا كان الدعاء في الأحوال والأوقات والأمكنة الفاضلة تأكد استحبابه وزادت فضيلتُه، ورُجِيَ قبولُه وإجابتُه، فقد جاء الشرع الشريف بتفضيل بعض الأزمنة على بعض؛ ففضل شهر رمضان، والعشر الأُوَل من ذي الحجة، ويومي العيدين، وليلة القدر، وثلث الليل الأخير، وهذه الأوقات المفضلة من نعم الله تعالى على عباده؛ إذ فيها مزيدُ تَجَلٍّ ورحمة من الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ [إبراهيم: 5].

خواتيم العبادات والطاعات من مواطن قبول الدعاء

جاءت النصوص الشرعية بمشروعية الدعاء بالقبول في خواتيم الطاعات والعبادات:

فقال تعالى حكايةً عن سيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].

وقال حكايةً عن السيدة مريم عليها السلام: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 35].

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "جزء في التهنئة في الأعياد" (ص: 44، ط. دار البشائر الإسلامية): [وقد ورد في خصوص "تقبل الله" دليل قوي لمشروعية ذلك لمن فعل مأموراته أن يسأل الله تعالى يتقبل الله منه ذلك، وهو ما حكى الله تعالى عن خليله إبراهيم عليه السلام وولده حين بنيا الكعبة؛ حيث قال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ..﴾ الآية] اهـ.

الأدلة على استحباب دعاء المسلمين لبعضهم البعض

استحبت الشريعة للمسلمين أن يُهَنِّئَ بعضُهم بعضًا ويدعو بعضهم لبعض بالقبول في خواتيم العبادات؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو للحاج عند تمام حجه، ولصائم رمضان عند فطره، وللتائب من الذنب عند توبته.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني أريد هذه الناحية الحج، فمشى معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: «يَا غُلَامُ، زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى، وَوَجَّهَكَ الْخَيْرَ، وَكَفَاكَ الْهَمَّ»، فلما رجع الغلام سلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فرفع رأسه إليه وقال: «يَا غُلَامُ، قَبِلَ اللهُ حَجَّكَ، وَكَفَّرَ ذَنْبَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ» أخرجه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، وابن السني في "عمل اليوم والليلة".

ومن أعظم هذه الأوقات: يوما العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى؛ إذ هما يأتيان بعد أوقات مفضلة اختُصت بالاجتهاد في العبادة، فعيد الفطر المبارك هو يوم جائزة المسلم عقب شهر رمضان المعظم بصيامه وقيامه وما فيه من الصدقات وأنواع العبادات.

وعيد الأضحى المبارك هو المصاحب لمناسك الحج، والتالي لصيام الأيام التسعة الأُوَل من ذي الحجة، وهي أيام أقسم الله بها لعِظَم فضلها؛ فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2].

وقد صنف جماعة من العلماء في استحباب الدعاء بالقبول عند الفراغ من العبادات، واستحباب التهنئة عند حصول النعم: كالحافظ ابن حجر العسقلاني في "جزء التهنئة في الأعياد"، والحافظ الجلال السيوطي في "وصول الأماني بأصول التهاني"، والعلامة الزرقاني في "رسالة في التهنئة والتعزية والإصلاح بين الناس".

كما تُستَحَبُّ التهنئةُ أيضًا على حصول النعم الدينية والدنيوية؛ كالدعاء لمن اشترى ثوبًا جديدًا، ولمن وُلِدَ له مولودٌ.

فإذا اجتمع الدعاء بالقبول للأعمال الصالحة والتهنئة بالنعمة كان ذلك أشد استحبابًا وأكثر أجرًا وأدعى لربط أواصر المودة بين المسلمين، وهذا هو شأن العيدين؛ حيث الدعاء بقبول العبادة السابقة؛ صومًا أو حجًّا أو أعمالًا صالحة في العشر الأول من ذي الحجة، والتهنئة بقدوم العيد، بل إن الدعاء بالقبول والتهنئة بالنعمة يجتمعان على مورد واحد؛ لأن القبول من الله أعظم نعمة، والتهنئة على ذلك مقدَّمة على غيره.