شبهات وردود حول فريضة الحج
إن فريضة الحج تكليف أوجبه الله -عز وجل- على عباده مشروطا بالاستطاعة، حيث قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ آل عمران: 97، وهي الركن الخامس من الأركان التي بني عليها الإسلام، حيث قال النبي -ﷺ-: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"، وقد أجمعت الأمة على وجوبه.
للحج أجر عظيم وثواب جزيل عند الله
وللحج أجر عظيم وثواب جزيل عند الله، حيث إنه يعيد الإنسان الحاج -إذا أخلص النية لله، وسلم حجه من اللغو والرفث والفسوق- نقيا من خطاياه كيوم ولدته أمه ما لم يكن عليه شيء من حقوق العباد، يقول النبي -ﷺ-: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"، والحج المبرور المتقبل والخالص لوجه الله والذي لا يخالطه إثم، هو سبيل الإنسان إلى الجنة، حيث قال الرسول -ﷺ-: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
ولا يعرف قيمة الحج، ولا يشعر بروعة وجمال مناسكه إلا من صفت نفسه، وطهر قلبه، وسلم فكره، وأسلم وجهه لله عز وجل، وعاش مع أداء المناسك بعقله وشعوره ووجدانه، ولا غرو ولا عجب، فمن ذاق عرف، ومن عرف اغترف، ومن اغترف نال الفضل الشرف.
لكن بعض الناس من أعداء هذه الأمة، وممن جندهم الأعداء من أبنائها ممن طمست قلوبهم، وعميت أبصارهم وبصائرهم قد لا يجدون هذا الإحساس، ولا يرون ذلك الفضل، فيتهمون الحج بالافتراءات والأكاذيب والأضاليل، وينسجون حوله الشبهات بفكرهم السقيم، وخيالهم المريض، وتصورهم الفاسد، والحج من كل ذلك برئ كل البراءة، لكنها القلوب إذا مرضت، والأبصار إذا سقمت، فلا تحس بحلاوة الشيء، ولا ترى أنواره، ولا تدرك أسراره، وإنما تنكر وتجحد، وتعيب وتزدري، يقول المتنبي:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
ويقول الإمام البوصيري:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم
ومن هذه الافتراءات الفاسدة وتلك الادعاءات الباطلة ما يزعمه البعض -وزعمهم باطل- من أن الحج دعوة إلى الوثنية، وعودة إلى الجاهلية، حيث رأى هؤلاء بعض مناسك الحج كالطواف بالبيت الحرام وتقبيل الحجر الأسود ضربا من الوثنية وعبادة الأحجار التي كان عليها العرب في الجاهلية، وعللوا ذلك بأن النبي محمدا -ﷺ- قد فعل ذلك، وأبقى للعرب على موروثاتهم حينما وجد فيهم صدودا عن دعوته تأليفا لقلوبهم بذلك على غرار ما كان أهل الجاهلية يصنعونه بعبادة الأوثان والطواف حولها، أو أن النبي حينما وجد صدودا من اليهود ورفضا لقبول دعوته، وعجزا عن استمالتهم، عاد إلى العرب واستمالهم بذلك.
والرد على ذلك سهل وميسور، وهو أن العبادات عندنا في الإسلام منها ما هو معقول المعنى وظاهر الحكمة، وذلك كالصلاة؛ لأنها تأمر بالفحشاء والمنكر، وكالصيام؛ لأنه سبيل إلى تحقيق التقوى، وكالزكاة التي تزكي النفس، وتطهر المال، وتحقق التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع، ومنها ما هو غير معقول المعنى، أو غير ظاهر الحكمة، وذلك كعدد ركعات الصلوات فنجد مثلا الصبح ركعتين، والظهر والعصر والعشاء أربعا، والمغرب ثلاثا، وكذلك التيمم -وهو مسح الوجه واليدين بالتراب- الذي يعد بديلا عن الوضوء عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، ومعلوم أن الوضوء ضرب من النظافة. وبالتأمل في مناسك الحج نجد أنها من العبادات غير معقولة المعنى، وأن الغاية منها هي تحقيق الامتثال المطلق والانقياد والتسليم والإذعان للأمر الإلهي بتصديق الخبر وتنفيذ الطلب ظهرت العلة أو لم تظهر، وعدم ظهور العلة لا يعني عدم وجودها؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- لم يأمر بشيء أو ينه عنه عبثا، ولم يفعل ذلك إلا لحكمة قد يخفيها الله -عز وجل- عن عباده في بعض الأمور؛ ليظهر من يعبد الله حقا لمجرد الامتثال لأمره، والانقياد لحكمه، والتسليم لقضائه، ومن يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه فخسر الدنيا والآخرة، أو من يعبد الله لمجرد المصلحة، فإن وجدها استجاب وامتثل، وإن لم يجدها رفض ونكص على عقبيه، وذلك هو الخسران المبين. وقد تجلت الغاية من أداء هذه المناسك بإسلام الوجه لله والامتثال المطلق لأمره في مقولة الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المشهورة الخالدة وهو يقبل الحجر الأسود: "والله، إني لأقبلك، وإني أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبلك ما قبلتك".
وقد يزعم البعض -وزعمه باطل أيضا- أن الحج بدعة اخترعها العرب في الجاهلية، وأقرهم الإسلام عليها، وتلك فرية لا تقل فداحة ولا شناعة عن سابقتها، والرد عليها سهل ميسور كذلك؛ لأن الآثار والأخبار تفيدان أن الحج ليس من ابتداع العرب، وإنما هو أصل من أصول الشرائع السماوية، وأن الأنبياء -عليهم جميعا الصلاة والسلام- قد حجوا، بل نستطيع أن نقول باطمئنان: إن مناسك الحج من إرث أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، فقد رفع إبراهيم هو وابنه إسماعيل القواعد من البيت وطافا به، والسعي بين الصفا والمروة ونبوع زمزم يشيران إلى قصة السيدة هاجر مع ابنها إسماعيل حينما تركهما الخليل إبراهيم بواد غير ذي زرع، ورمي الجمار يشير إلى ما حدث مع الخليل إبراهيم تجاه إبليس حينما أراد أن يصرفه عن الامتثال لتنفيذ الرؤيا بذبح ولده إسماعيل، ومن ثم كانت مكافأة الامتثال أن فداه الله -عز وجل- بذبح عظيم، يؤيد ذلك ويؤكده قول النبي -ﷺ- حينما حج ومعه عشرات الآلاف من أصحابه وكانوا وقوفا بعرفة: "قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم".
وقد يرى البعض -ورأيه باطل- أن الحج يجب أن يكون في الأشهر الحرم الأربعة كلها، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وذلك تخفيفا على الحجاج، وتفاديا للتدافع والازدحام، والرد على ذلك أن الله -جل جلاله- قد وقت الحج بأشهر معلومات، فقال -عز وجل-: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ البقرة: 197.
وقد يتساءل البعض قائلا: لماذا لم يكرر افتراض الحج كما تكرر الصلاة والزكاة والصيام؟ وجواب ذلك أن الحج عبادة شاقة تحتاج إلى التيسير الذي هو من خصائص شريعة الإسلام، وذلك ما أوضحه وأكده النبي -ﷺ- حينما خطب في الناس بأن الله فرض عليهم الحج، فقال أحد الصحابة: "أكل عام يا رسول الله؟"، فسكت النبي حتى قالها ثلاثا، ثم أجاب قائلا: "لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"، هذا بالإضافة إلى عظم أجر الحج، وكأن عظم أجره يغني عن الحاجة إلى تكراره، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
لماذا لا يكون الحج عبر (الأون لاين) أو (الميتافيرس)؟
وقد تساءل البعض الآخر مستفسرا أو مقترحا، فقال: لماذا لا يكون الحج عبر (الأون لاين) أو (الميتافيرس)؟ والجواب على ذلك أن العبادات البدنية -ومنها عبادة الحج وقد جمعت بين البدنية والمالية- يشترط في صحتها الانتقال الفعلي والمثول الحسي في الزمان والمكان؛ ولذا يشترط في وجوب الحج -بالإضافة إلى الاستطاعة المالية- الاستطاعة البدنية، وقد جاءت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ البقرة: 125، وقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ الحج: 29، فالمثابة الموضع الذي يثاب إليه، والمرجع الذي يرجع إليه، ولا يخلو من قاصد له ووارد عليه، ومقام إبراهيم هو الموضع الذي يصلى الناس عنده ركعتي طواف القدوم، والطواف بالبيت هو الدوران حول الكعبة، هذا بالإضافة إلى السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار وغير ذلك مما لم يتحقق إلا بالانتقال الفعلي والمثول الحسي في الزمان والمكان، وهذا المثول هو الذي يترك أثرا بالغا في النفس، قد يعتنق بسببه الكافر الإسلام، ويزداد المؤمن به إيمانا، وقد سجل لنا بعض المفكرين هذا الأثر وذلك الانطباع فيما كتبوه عن رحلة الحج، ومن هؤلاء الكتاب -على سبيل المثال لا الحصر- الكاتب النمساوي/ محمد أسد في كتابه "الطريق إلى مكة"، والكاتب المجري/ عبد الكريم جرمانوس في كتابه "الله أكبر"، والكاتب المصري د/ محمد حسين هيكل في كتابه "في منزل الوحي"، رزقنا الله جميعا فهما صائبا، وحجا مبرورا، وعملا صالحا متقبلا.
بقلم الدكتور طلعت عبد الله أبو حلوة أستاذ البلاغة والنقد ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بدسوق جامعة الأزهر
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض