مديرة إقليم شرق المتوسط بالصحة العالمية تدعو لإعادة تشكيل منظومة الصحة الدولية
أكدت حنان حسن بلخي أن العالم يعيش حاليًا أعمق عملية إعادة تشكيل للمنظومة متعددة الأطراف منذ عام 1945، مشددة على أن مستقبل الصحة العالمية لن يُبنى بالآليات القديمة نفسها، بل يحتاج إلى نموذج أكثر عدالة وشفافية تقوده الدول نفسها لا المانحون.
جاء ذلك خلال كلمتها في جلسة الإحاطة المفتوحة بعنوان «هل يمكن أن تحرز الصحة العالمية تقدمًا في خضم هذا التمزق؟»، التي عُقدت تمهيدًا لانطلاق أعمال الدورة التاسعة والسبعين لـ منظمة الصحة العالمية.
وقالت بلخي إن النقاش الدائر حاليًا حول مستقبل الصحة العالمية، رغم ما يحيط به من خلافات، قد يكون نقطة تحول حقيقية في طريقة إدارة وتنظيم الصحة على المستوى الدولي، مؤكدة أن الإصلاح يبدأ أولًا بالمصارحة والاعتراف بأوجه القصور داخل المنظومة الحالية، بما في ذلك داخل منظمة الصحة العالمية نفسها.
وأوضحت أن النموذج الحالي نجح على مدار عقود في تحقيق إنجازات مهمة في مجالات التمنيع ومكافحة الأمراض وصحة الأم والطفل والاستجابة للطوارئ، لكنه مع مرور الوقت تحول إلى منظومة مزدحمة بالمبادرات والآليات التمويلية المتعددة، ما أدى إلى التشتت والتداخل والتنافس بدلًا من التكامل.
وأضافت أن إقليم شرق المتوسط يعكس بوضوح تعقيدات هذا الواقع، إذ يضم دولًا تعاني هشاشة صحية وصراعات ونزوحًا واسع النطاق، إلى جانب دول تمتلك أنظمة صحية متقدمة، مشيرة إلى أن قضايا الحوكمة والتمويل ليست نقاشات نظرية بالنسبة لهذه الدول، بل ترتبط مباشرة بقدرتها على الحصول على دعم مستدام، وإنتاج اللقاحات والأدوية محليًا، وضمان العدالة في الخدمات الصحية.
وشددت بلخي على أن خريطة الفاعلين في الصحة العالمية تغيّرت جذريًا، ولم تعد الأمم المتحدة وحدها اللاعب الرئيسي، في ظل وجود تحالفات ومؤسسات تمويلية ومنظمات دولية كبرى لكل منها هياكل حوكمة وأولويات مختلفة، وهو ما يجعل الحاجة ملحّة إلى توحيد جهود الإصلاح ضمن رؤية أكثر اتساقًا.
وكشفت أن المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية كلّف المنظمة بإطلاق عملية مشتركة تجمع الدول الأعضاء وشركاء الصحة العالميين ومنظمات المجتمع المدني، بهدف توحيد مبادرات الإصلاح المختلفة ضمن خطة واحدة، على أن يصدر تقريرها النهائي في عام 2027.
وفي ملف التمويل، أوضحت أن المساهمات الطوعية أصبحت تمثل أكثر من 80% من ميزانية منظمة الصحة العالمية، بينما لا تتجاوز الاشتراكات الأساسية للدول نسبة محدودة، الأمر الذي أدى إلى تراجع مرونة المنظمة وتأثر أولوياتها بتوجهات المانحين.
واعتبرت أن انسحاب الولايات المتحدة من بعض التزاماتها التمويلية لا يمثل مجرد أزمة مالية، بل مؤشرًا على تراجع الثقة في النموذج القائم، مؤكدة أن إصلاح الصحة العالمية بات مرتبطًا بإعادة التوازن في السلطة واتخاذ القرار، عبر منح الدول دورًا أكبر في تحديد الأولويات الصحية وتوجيه التمويل.
وقالت إن التعددية لن تنجح إذا شعرت الدول بأنها مجرد متلقٍ للقرارات، مضيفة: “بلدان الجنوب لا تطلب مقعدًا على طاولة صُممت في مكان آخر، بل تريد أن تشارك في تصميم الطاولة نفسها”.
وأكدت أن مستقبل النظام الصحي العالمي يجب أن يركز على التحديات الجديدة مثل تغير المناخ، وشيخوخة السكان، ومقاومة مضادات الميكروبات، والأمراض غير السارية، والصحة النفسية، معتبرة أن أي إصلاح يتجاهل هذه الملفات لن يكون سوى “تغيير في الاسم لا في الجوهر”.
واختتمت بلخي كلمتها بالتأكيد على أن الفرصة ما زالت قائمة لبناء هيكل صحي عالمي أكثر عدالة وتمثيلًا، يعكس واقع العالم الحالي واحتياجاته، مشددة على أن منظمة الصحة العالمية لا تطلب من الدول الوثوق في عملية الإصلاح فقط، بل تدعوها إلى قيادتها بأنفسها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض







