رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الراوى

 

«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه»

مع بداية موسم الامتحانات، يتغير شكل البيوت المصرية وكأن الوطن كله يدخل اختبارًا جماعيًا لا يخص الطلاب وحدهم. تختفى الضوضاء قليلًا، تُخفض أصوات التلفاز، وتتحول طاولات الطعام إلى مساحات للمراجعة والملخصات والأكواب الممتلئة بالقهوة والشاى. حتى الأمهات يبدآن مرحلة استثنائية من القلق الصامت، وكأن كل واحدة منهن ستدخل اللجنة بنفسها.

فى هذه الأيام، لا تكون الامتحانات مجرد أوراق وأسئلة، بل تصبح حالة اجتماعية كاملة. الطالب يحارب خوفه من المستقبل، والأسرة تحاول أن تخفى توترها خلف كلمات الدعم، بينما المجتمع كله يراقب النتائج وكأنها المقياس الوحيد للنجاح فى الحياة.

بطل حكايتنا لم يكن يخاف من الامتحان بقدر خوفه من خيبة الأمل. كان يشعر أن الجميع ينتظر منه شيئًا كبيرًا، وأن أى تعثر بسيط قد يتحول إلى حكم قاسٍ على مستقبله كله. وهذا هو العبء الحقيقى الذى يعيشه كثير من الطلاب اليوم؛ ليس صعوبة المناهج فقط، بل ثقل التوقعات.

المشكلة أن بعض الأسر تتعامل مع الامتحانات باعتبارها معركة مصيرية، فتتحول البيوت أحيانًا إلى غرف طوارئ. يُمنع الضحك، وتُؤجل المناسبات، ويصبح التوتر هو اللغة الرسمية داخل المنزل. ومع حسن النية، ينسى البعض أن الطالب يحتاج إلى دعم نفسى بقدر حاجته إلى المذاكرة، وأن الخوف الزائد قد يهزم الإنسان قبل أن يبدأ.

وفى المقابل، هناك طلاب يدخلون الامتحانات بعقل مرهق من المقارنات. هذا حصل على درجات أعلى، وذاك انتهى من المنهج مبكرًا، وآخر يحفظ أكثر. ومع مواقع التواصل الاجتماعى، تضاعفت الضغوط، فأصبح الطالب لا ينافس نفسه فقط، بل يشعر أحيانًا أنه ينافس العالم كله.

لكن الحقيقة التى يكتشفها الإنسان متأخرًا أن الامتحانات مهمة، نعم، لكنها ليست المعيار الكامل لقيمة البشر. كم من طالب لم يحصل على الدرجات المتوقعة ثم نجح فى حياته لاحقًا، وكم من متفوق دراسيًا تعثر لأنه لم يتعلم معنى الاجتهاد الحقيقى خارج أسوار المدرسة والجامعة. فالنجاح أكبر من رقم فى شهادة، وأوسع من ترتيب فى نتيجة.

هذا لا يعنى التقليل من قيمة الاجتهاد، بل على العكس. ففترة الامتحانات تعلم الإنسان الانضباط، وتحمل المسئولية، والصبر تحت الضغط. وهى مهارات ربما تكون أهم من بعض الدروس نفسها. لأن الحياة لاحقًا ستكون مليئة بالاختبارات التى لا تُحل بالقلم، بل بالوعى والخبرة والقدرة على الاستمرار.

وفى زحام هذه الأيام، يحتاج الطلاب إلى من يذكرهم بأن الراحة ليست ذنبًا، وأن التعثر أحيانًا جزء طبيعى من الرحلة، وأن الإنسان لا يصبح فاشلًا بسبب امتحان صعب أو يوم سيئ. كما تحتاج الأسر إلى أن تدرك أن أبناءها لا يريدون فقط من يسألهم عن عدد الساعات التى ذاكروها، بل من يمنحهم شعورًا بالأمان مهما كانت النتيجة.

وفى نهاية الحكاية، أدرك بطلنا أن الامتحان الحقيقى لم يكن داخل اللجنة، بل كان فى قدرته على مقاومة الخوف، والاستمرار رغم التوتر، والإيمان بأن مستقبله لا تصنعه ورقة واحدة، بل تصنعه رحلة كاملة من السعى والتعلم والمحاولة.

فليست كل الامتحانات فى المدارس والجامعات.. بعض الاختبارات الحقيقية تبدأ بعدها!!

«تلك كانت حكاية من حكاياتنا يقصها الراوى، ويترك لكم التعليق».

 

أستاذ الإعلام بكلية الآداب

جامعة المنصورة

[email protected]