كيفية الأدب مع الله تعالى وأقسامه
من المقرر شرعًا أن من أسمى منازل السالكين وأرقى مقامات العارفين هو لزوم الأدب مع الله -سبحانه وتعالى-، فالأدب مع الحق هو قطب الرحى الذي تدور عليه سائر السلوكيات، وهو في عمقه الباطني ثمرةٌ من ثمرات المعرفة وإشراقةٌ من إشراقات اليقين، إذ لا يتحقق العبد بجوهر مقام الإحسان إلا متى أشرق قلبه بنور الأدب مع الديان.
حقيقة الأدب مع الله تعالى
إن حقيقة الأدب مع الحق تتجلى في حُسن الانقياد التام لمراداته -سبحانه-، وهو إيقاع كل حركة وسكون في الظاهر والباطن على مقتضى شهود عظمته وإجلاله، مصحوبًا بدوام الحياء والمراقبة في كل الأنفاس، ولا ريب أن مبدأ هذا الأدب ينبثق من التوحيد الخالص الذي هو سدرة منتهى الآداب وأجلّها، فالأدب مع الله هو عين التوحيد، وأعلى مراتبه هي إفراد المعبود بالتذلل والتوجه كما قال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡءࣰاۖ﴾ [النساء: ٣٦] .
أقسام الأدب مع الله تعالى
يتنزل الأدب في معاملة الحق -جل جلاله- على ثلاث مراتب متداخلة يكمل بعضها بعضًا:
أولًا: أدب القلب (مقام السر والأساس)، وهو إمحاض التوحيد وإفراد المعبود بشراشر القلب محبَّةً وتعظيمًا، فمنتهى الإساءة أن يلتفت السر إلى الأغيار أو أن يركن إلى الأسباب غافلًا عن المسبب، وفي مقام الدعاء ينبغي أن يكون الطلب محض عبودية لا تشوُّفًا لحظوظ النفس الدنيوية، بحيث لا يتعلق السر بالمطلوب بل يكون غاية المراد هو الله ذاته.
ثانيًا: أدب اللسان (مقام النطق والذكر)، وهو أن لا يترجم اللسان إلا عما فيه تعظيمٌ وإجلالٌ للمولى، فلا ينطق إلا بما يوافق رضاه من جليل الذكر وتلاوة محكم التنزيل، وهذا يقتضي حضور القلب مع المذكور، فإن من انقضى عمره دون أن يذوق حلاوة الحضور في الذكر فقد ضيع حظه من الوصل، إذ الحضور في الذكر هو سِر الأدب ومفتاح الفتح.
ثالثًا: أدب الجوارح (مقام الظاهر والامتثال)، وهو انقياد الأركان طوعًا للأوامر واجتنابًا للنواهي، وأقبح الإساءة في هذا المقام هي المجاهرة بالمخالفة أو رد أمر الله اتباعًا للهوى، والاستعانة بنعم المنعم على معصيته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض