مراجعات
على مرِّ العصور، تتبدل الأسماء والوجوه، ليرحل جيلٌ، ويأتي آخر، وتتغير الخرائط والتحالفات والشعارات وموازين القوى، لكن مأساة «النكبة الفلسطينية»، تظل محفورة في الذاكرة، بكل مراراتها، كجرحٍ مفتوحٍ في وجدان الأمة.
لم تكن «نكبة فلسطين» في العام 1948، مجرد هزيمة عابرة، بل بداية «نكسة» ممتدة، أصابت الأمة العربية والإسلامية في أعز ما تملك، لأنه منذ تلك اللحظة الفارقة في تاريخنا المعاصر، لم تخسر أرضًا فقط، بل خسرت جزءًا غاليًا من شرفها ويقينها بنفسها!
لعل سقوط «فلسطين» تحت وطأة «الاحتلال الصهيوني المجرم»، كان بداية التقويم للتشرذم العربي، لتتوالى النكبات، وكأنها نسلٌ شرعيٌّ يتكاثر من «النكبة الأولى»، ليسفر عن انقسامات، وحروب أهلية، واستبداد، وتهجير، وتفكك أصاب الإنسان قبل الجغرافيا!
إن «فلسطين» لم تكن يومًا قضية شعبٍ، بل مرآة صادقة لحال الأمة بأكملها، ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول «النكبة» مع مرور الزمن إلى «أمِّ النكبات»، التي أخرجت من رَحِمِها هزائم متتالية، صنعت واقعًا عربيًّا مريرًا، تتآكله الخلافات، وتنهشه المصالح الضيِّقة.
نتصور أن الأشد إيلامًا وقسوة، هو أن المأساة لم تعد فقط في ذلك «الاحتلال الصهيوني»، بل في الاعتياد عليه، أو التعايش معه، وبالتالي رؤية الخراب بلا غضب، والدماء والأشلاء والقصف من دون وجع، أو حتى إحساسٍ بالخزيِ والعار.
إذن، المشهد المُرَوِّع ـ الذي بدأ في 15 مايو 1948 ـ بالتهجير والقتل واقتلاع الإنسان من أرضه وجذوره، يُعيد نفسه، وإن كان بصورة أكثر قسوة ودموية، في ظل إعادة رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط، بسيطرة «صهيو ـ أمريكية»، وهشاشة الواقع العربي والإسلامي، حين تُباع القضايا الكبرى تحت عناوين الواقعية السياسية، وبالتالي أصبحت بلداننا كلها مشروعًا لـ«نكبات مؤجلة»!
للأسف، على مدار عقود، لم ننتبه إلى الفِتن التي تزرعها «الشجرة الصهيونية الخبيثة» في كافة أنحاء المنطقة، للسيطرة والسيادة، من خلال تصدير فكرة «الأعداء المحتملين»، وشنِّ الحروب، وزرع الفتن، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، أو صفقات التطبيع المشبوهة، لتحقيق الرضوخ الكامل والانصياع المَهين للأمريكان و«الصهاينة»!
في مذكراتها عن حَرْق المسجد الأقصى في أغسطس 1969، قالت «جولدا مائير»: «لم أنم طوال الليل خوفًا من هجوم العرب علينا من كل مكان، وعندما أشرقت الشمس أدركتُ أننا نتعامل مع أمة نائمة.. نستطيع أن نفعل بها ما نشاء»، لذلك يجب أن نكشف الحقائق لأجيالنا الجديدة، وفَضْح مؤامرات «الصهاينة»، وَزَيْف «نبوءة» ديفيد بن جوريون «أول رئيس وزراء للكيان المحتل الغاصب»، بأن «الكبار سيموتون والصغار سينسون».
أخيرًا.. لا يمكن اعتبار ذلك اليوم المشؤوم، مجرد ذكرى عابرة وأليمة، فما بين مُدن تُقصف، وشعب يُهجَّر، واستباحةٍ للمقدسات، يدفع الفلسطينيون ثمن صمت العالم، وتواطؤ السياسة، وغياب العدالة، لكن الحق لا يموت، والشعوب قد تُهزم حينًا، لكنها لا تفقد ذاكرتها أبدًا.
فصل الخطاب:
يقول المفكر «إدوارد سعيد»: «الذاكرة هي سلاح الشعوب الأخير في مواجهة محاولات المحو».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض