خبير استراتيجي: جذور الحضور المصري في إفريقيا تعود بقوة إلى خمسينيات القرن الماضي
عبر طبقات متداخلة من التاريخ والسياسة والاقتصاد، تتجلى العلاقة المصرية الإفريقية باعتبارها واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية عمقًا وتشابكًا في محيطها الجغرافي والاستراتيجي، فهي ليست مجرد امتداد حدودي أو تفاعل دبلوماسي تقليدي، بل منظومة ممتدة من الروابط التي تشكلت عبر عقود طويلة من التفاعل التاريخي والمصير المشترك، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الذاكرة، وتتماهى المصالح مع الاعتبارات الوجودية للأمن القومي.
ومن جانبه، أشار الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي إلى أن جذور الحضور المصري في إفريقيا تعود بقوة إلى خمسينيات القرن الماضي، حين تحولت القاهرة إلى مركز داعم لحركات التحرر الوطني، فكانت حاضنة سياسية وإعلامية وعسكرية لعدد كبير من قادة الاستقلال في القارة، في إطار رؤية قادتها آنذاك القيادة المصرية باعتبار إفريقيا الدائرة الثالثة للأمن القومي المصري.
القاهرة وقبلة حركات التحرر الإفريقي
وبحسب الرؤية التاريخية التي يستعرضها يحيى، فقد لعبت مصر دورًا محوريًا في دعم الاستقلال الإفريقي، ليس فقط عبر الخطاب السياسي، بل من خلال أدوات تأثير فعالة، من بينها صوت العرب الذي بث رسائله بلغات إفريقية متعددة، إضافة إلى تدريب ودعم حركات التحرر من الجزائر إلى جنوب إفريقيا.
وأوضح الدكتور يحيى أن القاهرة كانت فاعلًا رئيسيًا في دعم استقلال دول إفريقية عديدة، ومساهمًا في صياغة لحظات مفصلية مثل مؤتمر أديس أبابا 1963، الذي أسس لمنظمة الوحدة الإفريقية تحت شعار “إفريقيا للأفارقة”، وهو الشعار الذي تطور لاحقًا ليشكل أساس الاتحاد الإفريقي.
من التاريخ إلى إعادة التموضع
وفي انتقاله إلى الواقع المعاصر، أوضح الدكتور يحيى أن مصر أعادت منذ عام 2014 صياغة سياستها الإفريقية على أسس جديدة تقوم على الدمج بين الدبلوماسية والأمن والتنمية، في إطار ما يمكن وصفه بـ“دبلوماسية الشراكة والتنمية”.
وأكد أن هذا التحول لم يكن شكليًا، بل تُرجم إلى خطوات مؤسسية بارزة، بدءًا من استعادة الحضور داخل الاتحاد الإفريقي، وصولًا إلى رئاسة مصر للاتحاد عام 2019، ثم رئاستها لتجمعات إقليمية مثل الكوميسا، وتوليها أدوارًا تنموية في مبادرات قارية كبرى.
الاقتصاد والأمن:
وأردف أن القاهرة لم تكتفِ بالدور السياسي، بل تحولت إلى فاعل اقتصادي وتنموي في القارة، عبر الدفع نحو تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وتوسيع نطاق الاستثمارات والمشروعات المصرية في أكثر من 40 دولة إفريقية.
ولفت الدكتور يحيى إلى أن البعد الأمني ظل حاضرًا بقوة، خاصة في ملفات حيوية مثل أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الإفريقي، والتعامل مع تحديات الإرهاب والهجرة غير النظامية، إلى جانب ملف مياه النيل وسد النهضة باعتباره أحد أهم محاور الأمن القومي المصري.
إفريقيا من الشراكة إلى صناعة المستقبل
وأكد أن التحرك المصري الحالي في إفريقيا لم يعد قائمًا على رد الفعل أو الحضور الرمزي، بل أصبح “مشروعًا استراتيجيًا متكاملًا” يعيد تموضع مصر كقوة إقليمية فاعلة، مشيرا إلى أن فلسفة هذا التحرك تقوم على مبدأ أن التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة، وأن بناء إفريقيا المستقرة اقتصاديًا وسياسيًا هو الضمان الحقيقي لاستدامة الدور المصري داخل القارة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض