خارج السطر
ليس أسوأ من أولئك الذين يحسبون الدين جهلاً سوى نظرائهم من يحسبون الجهل ديناً؛ الذين استصعبوا العلم، فأنكروه، وفاتهم التقدم فخاصموه، وضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
فى الأسبوع الفائت اندهشت أن تتجه جامعة الأزهر بإنشاء مركز للطب النبوى، منكراً صحة المصطلح، ومؤكداً أن النبى عليه الصلاة والسلام بعث رسولاً هادياً، ولم يبعت طبيباً معالجاً. وكتبت هنا فى طلتى الأسبوعية أن المصطلح مصطنع ولا يمت للدين بصلة وأنه صناعة تجار أعشاب، ودجالين وجهلاء، اختاروا وصفات طبية قروسطية وسموها طباً نبوياً، وأنه لا يصح للأزهر- وهو جامعة مدنية مهمتها إنارة العقول والأفهام- أن تساير الرائج، وتشايع الغلط فتنشئ مركزاً لدراسة علم غير قائم.
وكما توقعت لم ترد الجامعة، ولم تنفِ أو توضح أو تفسر حكاية المركز المدهش، ولم أتلقَّ سوى رسائل إنكار وغمز ولمز من ثلة من القراء، وزاد البعض- كما اعتدت- إلى التهديد واعتبار رأيى وكتابتى ازدراء للدين، حاشانى أن أفعل.
وبتوارد الأفكار، كتب الصديق العزيز الدكتور حسام بدراوى مقالاً فى موقع الحرية انتقد فيه التوجه ذاته، وقال «عندما يتم استخدام النصوص الدينية كمصدر لإنتاج معرفة طبية تجريبية، فإننا لا نثرى الدين، بل ننقله إلى مجال لم يصمم له ونخضعه لمعايير ليست من طبيعته». وأضاف شارحاً: «حين تتحول المؤسسات الأكاديمية إلى ساحات لإعادة تعريف العلم وفق اعتبارات غير علمية، فإن الخطر ألا يكون على الحاضر فقط، بل على مستقبل المعرفة ذاته».
وبدا واضحاً أن غول الجهل المرتدى عباءة الدين نهش عقولاً، واستوطن مؤسسات، وقاد صفوفاً من البشر فى بلادى، وهو ما ظهر جلياً فى ظاهرة الطبيب المنقلب على الطب الذى أنشأ نظاماً فوضوياً يقوم على استبعاد الدواء، وعكس كل النظريات العلمية، وإنكار المنجزات والاكتشافات العالمية وصياغة الأمر بشكل سطحى يدعى التدين. وهكذا بات الأمر أشبه بردة حضارية مروعة سار فى ركابها متعلمون وشخصيات عامة ومؤثرة.
لقد اتسع الخرق على الراتق، واحتدمت الظاهرة حتى إنك تكاد ترى دجالاً مقابل كل طبيب، والناس يتصرفون بضعفهم الإنسانى، فيتعلقون بكل أمل، فيصدقون البلاهة المنتشرة والذائعة ويقبلون عليها. بل إن المؤسف فى الأمر هو أن سماسرة الأعشاب ومحتالى الطب البديل والمتربحين من الحجامة والتداوى بالقرآن الكريم، صارت لهم مؤسسات رسمية لها صفة قانونية.
وأكملت جامعة الأزهر المشهد المحزن بقرارها الغريب العجيب بإنشاء مركز له لائحة وميزانية ويعمل فيه موظفون، ويُعرَف زوراً بمركز الطب النبوى. طاف بى الأسى عندما حلقت برأسى كتابات عظيمة خالدة للإمام محمد عبده نشرها قبل أكثر من مائة عام، ومنها:
«لا دولة إلا بصولة، ولا صولة إلا بقوة، ولا قوة إلا بثروة، وليس للدولة تجارة وصناعة، وإنما ثروتها بثروة أهاليها، ولا تكون ثروة الأهالى إلا بنشر العلوم فيما بينهم؛ حتى يتبينوا طرق الاكتساب، فإن ذلك أمر قد خفى على ذوى الألباب فضلاً عن غيرهم».
«كل مفقود يفقد بفقد العلم، وكل موجود يوجد بوجود العلم».
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض