رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

أوراق مسافرة

تذكرت بصمت وأنا أمام محدثى الصينى «تشى يون» الذى يعد رسالة دكتوراه حول دور مؤسسات المجتمع المدنى فى مكافحة الفقر والجريمة وتحقيق التوازن المجتمعى فى هولندا، تذكرت تلك الفضائح المحزنة التى كانت تتفجر بين وقت وأخر حول سوء استغلال تلك المؤسسات والمنظمات لدينا من قبل بعض القائمين عليها وارتكابهم جرائم تزوير وغش للاستيلاء على الملايين من أموال هذه المؤسسات ونهبها، وكيف يجمع بعضهم التبرعات بعيدًا عن الشكل القانونى المفروض للاستيلاء عليها وحرمان المستحقين منها، تذكرت جرائم الإساءة والمعاملة غير الآدمية التى يتعاملون بها مع المحتاجين لخدمات تلك المنظمات الخيرية، وليس بخافى علينا مثلًا ما يتفجر بين وقت وأخر حول تعذيب وضرب وسوء استغلال الأطفال الأيتام ببعض هذه المؤسسات وهو ما لا يمكن أن يحدث فى نظيرتها فى هولندا لعدة أسباب تتمثل فى الآتى.
أولًا: هذه المؤسسات فى هولندا تحت رقابة وإشراف وتفتيش دائم ومفاجئ من وزارة الشئون الاجتماعية والعمل ومن مجالس المدن، وأعنى بفجائية أنها فعلا تكون هكذا ولا تتسرب أى معلومات مسبقة من هنا أو هناك حول موعد الزيارات كما يحدث لدينا.
ثانيًا: من يعملون بهذه المؤسسات إما من الأثرياء الذين يتمتعون بمشاعر إنسانية عالية ويؤدون عملهم بحب وتفان شديد وهم لا يحتاجون لأموال هذه المؤسسات بل على النقيض قد يمنحونها دعم مالى من جيوبهم، وكذلك يعمل بها أشخاص بصورة طوعية لا يتقاضون أى أجر لأن لديهم أعمالهم الرسمية، أو هم طلاب بالجامعات ويفعلون هذا فى وقت الفراغ وأيضا بحب، أو عاملون يتقاضون أجرأ رمزيًا كأجرة المواصلات مثلا لأن كل هدفهم خدمة المجتمع ومساعدة الفقراء والمحتاجين على كافة الأصعدة.
ثالثًا: لا يسمح بتلقى أى تبرعات يدويا، بل يتم ذلك عبر رقم حساب بنكى خاص تحت رقابة رسمية، ويتم الصرف على أهداف المؤسسة من خلال الدفع البنكى أيضا وليس «كاش» حتى المساعدات المالية المقدمة للمحتاجين تودع لهم فى حسابهم البنكى، وهو ما يقطع تمامًا الطريق أمام أى تلاعب أو محاولة استيلاء على أموال المؤسسة.
رابعًا: وجود شبكات من كاميرات المراقبة بهذه الأماكن بما لا يسمح معه بحدوث مخالفات أو تجاوزات من أى نوع من قبل القائمين عليها مع المواطنين المستفيدين من هذه الخدمات.
يضاف إلى هذا وجود عدد كبير من نوعية هذه المؤسسات لتغطية كل الأحياء حيث يوجد فى هولندا 450 ألف مؤسسة ومنظمة أهلية خدمية فيما يبلغ تعداد سكانه هولندا 18 مليون نسمة، ولو قارنا هذا بنظيرتها الموجود فى مصر لوجدنا لدينا ما يقرب من 52 ألف جمعية ومؤسسة تقريبًا وفقًا لإحصائيات وزارة التضامن الاجتماعى، وتعداد سكان مصر 110 مليون نسمة، وهو أمر يكشف الفجوة الهائلة بين ما يقدم لفقراء ومرضى هولندا ونظرائهم فى مصر، وبالطبع لدينا يمكننا القول بأن نسبة قد تصل 50% من هذه المؤسسات هى من تقدم أعمال خدمية وإنسانية للمجتمع، فيما يعمل الباقى على إثراء القائمين عليها والتقاعس عن تقديم الخدمات المنوطة لهم بالمخالفة لكل القوانين والإجراءات واللوائح.
والرائع أن تلك المؤسسات فى هولندا كما تعنى بعلاج الفقر وبتقديم الطعام والملابس والأجهزة الكهربائية والأثاث الذى تحتاجه منازل المحتاجين، هى أيضًا تقدم المنح المالية، تساعد فى مكافحة البطالة بتقديم دورات تدريبية وتأهيلية لتفتح أمام البسطاء أسواق العمل، تقدم الاستشارات القانونية، تعليم اللغة، الترفيه، ويضاف لكل ما سبق وجود مؤسسات تعنى برعاية أصحاب الأمراض المختلفة، كمرضى السرطان، الرئة، ضغط الدم، القلب، الروماتيزم، التقزم، طوال القامة، السمنة، وغيرها الكثير المعنى بصحة كل جزء من جسم الإنسان بجانب مؤسسات الرعاية النفسية.
بل يوجد حتى مؤسسة لمكافحة إلقاء «اللبان» الممضوغ فى الشوارع لأن يلصق بالأحذية ويسبب مشاكل لربات البيوت، ناهيك عن المؤسسات النوعية للرعاية والرفق بالحيوان، وهكذا، وكثيرًا ما تنتشر سيارات تابعة لهذه المؤسسات فى الشوارع لتقديم المساعدات للمشردين، والمشردون هنا بمحض إرادتهم وهم غالبًا من المدمنين أو المجانين الرافضين للسكنى فى بيوت والحياة بشكل طبيعى ويفضلون التسكع فى الشوارع، ورغم أن الشرطة تمسك بهم وتسلمهم لمؤسسات تستضيفهم إلا إنهم يهربون للعيش فى الشوارع، فتقدم لهم هذه المؤسسات المساعدات أيضا ولهذا حديث أخر.
المهم أنه أى كان التوجه الدينى، النفسى، الإنسانى لكل إنسان يعيش على الأراضى الهولندية سيجد مؤسسة تستقبله، تحتويه، تساعده دون أى إهانة أو عنصرية، فلديهم الفقير يحتاج للدعم المطلق بكل الطرق أى كان أصله، انتماءه، ولا يمكن فى هذا إنكار أن تقديم المساعدات لتلك الفئات المحتاجة أدى بشكل كبير إلى انخفاض فى معدلات الجريمة خاصة السرقة، لأنه لم يعد لدى الفقراء الدافع للسرقة لتوافر المساعدات الاجتماعية التى تحقق لهم الكفاية المقبولة طبعا باستثناء المدمنين الذين يسرقون للحصول على ثمن المخدرات، ومن يختار طريق الجريمة يجد عقوبات مشددة لترويعه مجتمع آمن به حكومات متتالية تبذل كل جهودها لمكافحة الفقر تساندها فى هذا مؤسسات المجتمع المدنى.. وللحديث بقية.


[email protected]