ذكرى مولد الشيخ طه الفشني.. مدرسة خالدة في فن التلاوة والابتهالات
تحل اليوم ذكرى مولد الشيخ طه الفشني، ذلك الاسم الذي ارتبط في وجدان المصريين والعالم الإسلامي بجمال التلاوة وروعة الابتهال، حيث يُعد الشيخ طه الفشني واحدًا من أبرز أعلام الإنشاد الديني، وصاحب مدرسة فريدة في المقامات الصوتية، جعلت صوته يتجاوز حدود الزمن ليبقى حيًا حتى اليوم.
النشأة والبدايات.. طريق مبكر نحو التميز
وُلد الشيخ طه الفشني عام 1900 بمدينة الفشن بمحافظة بني سويف، في أسرة عُرفت بالتدين والاستقرار. التحق بكتاب القرية في سن مبكرة، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره، وهو ما شكّل الأساس الأول لمسيرته مع كتاب الله.
واصل تعليمه بمدرسة المعلمين، وحصل على شهادة كفاءة المعلمين عام 1919، قبل أن ينتقل إلى القاهرة طامحًا في التعمق في علوم الدين، فالتحق بالأزهر الشريف، ودرس القراءات العشر على يد كبار العلماء، من بينهم الشيخ عبد العزيز السحار.
كما تتلمذ في فنون المقامات على يد الشيخ درويش الحريري، وتلقى أصول الإنشاد عن الشيخ علي المغربي وإسماعيل بكر، بينما كان أستاذه الأبرز الشيخ علي محمود.
موهبة استثنائية.. من الحفلات إلى قلوب الملايين
ظهرت موهبة الشيخ طه الفشني مبكرًا، حيث بدأ بإحياء المناسبات الدينية والاجتماعية، بل وشارك في حفلات كبرى إلى جانب عمالقة الفن مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وكان من بين المشاركين في حفل زفاف الملك فاروق والملكة فريدة.
كما انضم إلى فرقة الشيخ علي محمود، إلى جانب الملحن زكريا أحمد، مما ساهم في صقل موهبته وتوسيع مداركه الفنية. وفي عام 1934، سجل بعض التلاوات والابتهالات مع إحدى الشركات الأجنبية، وهو ما مهد لانطلاقته الكبرى.
نقطة التحول.. اعتماد إذاعي يصنع التاريخ
شهد عام 1937 التحول الأهم في حياة الشيخ طه الفشني، حين استمع إليه رئيس الإذاعة المصرية آنذاك، سعيد باشا لطفي، خلال إحيائه ليلة رمضانية بمسجد الإمام الحسين. أُعجب بصوته ودعاه لاختبار رسمي أمام لجنة مكونة من 20 عضوًا، ليُعتمد في نفس اليوم بفضل أدائه المبهر.
أصبح ثالث قارئ معتمد في الإذاعة بعد الشيخ محمد رفعت والشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، ثم عُين قارئًا لمسجد السيدة سكينة عام 1940، واستمر فيه حتى وفاته. وفي عام 1962، تولى رئاسة رابطة القراء خلفًا للشيخ الشعشاعي.
قارئ الملوك والرؤساء.. وصوت مصر إلى العالم
حظي الشيخ طه الفشني بمكانة رفيعة داخل مصر، فكان قارئًا في القصور الملكية بعابدين ورأس التين، وقرأ في حضرة الملك فاروق لفترات طويلة. كما كان القارئ المفضل لدى الرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات.
وعلى الصعيد الدولي، جاب العديد من الدول الإسلامية، مثل السعودية وباكستان وتركيا وماليزيا والمغرب وتونس، مقدمًا صورة مشرفة لمصر، حتى لُقب بسفير التلاوة المصرية. واحتفظت الإذاعة البريطانية بتسجيلات نادرة له، لا تزال تُبث حتى الآن.
سر التفرد.. صوت يجمع بين القوة والروحانية
تميز صوت الشيخ طه الفشني بالقوة والصفاء، مع قدرة فريدة على التنقل بين المقامات الموسيقية بإتقان بالغ، وهو ما جعله يحظى بإعجاب كبار الفنانين، حتى أن أم كلثوم لقبته بـ"ملك التواشيح والابتهالات".
ومن أشهر أعماله: "ميلاد طه"، "يا أيها المختار"، "حب الحسين"، "السلام عليك يا شهر رمضان"، و"إلهي إن يكن ذنبي عظيمًا"، وهي أعمال لا تزال تُتداول حتى اليوم، شاهدة على عبقريته الفنية.
كما كان من أوائل من افتتحوا بث التلفزيون المصري عام 1963، بتلاوة خاشعة من سورة مريم، لتظل لحظة فارقة في تاريخ الإعلام الديني.
الرحيل والبقاء.. إرث لا يغيب
رحل الشيخ طه الفشني في 10 ديسمبر 1971، بعد مسيرة حافلة بالعطاء، لكنه ترك خلفه تراثًا خالدًا من التلاوات والابتهالات التي ما زالت تملأ القلوب خشوعًا.
وقد كُرّم بمنحه نوط الامتياز من الطبقة الأولى عام 1991، كما أُطلق اسمه على أحد شوارع مدينة نصر، تقديرًا لإسهاماته الكبيرة في خدمة القرآن الكريم والإنشاد الديني.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض