د. سيف عونى العضو المنتدب لشركة «إيليت» للاستشارات المالية:
الطروحات الحكومية تعيد هندسة الصورة الذهنية لسوق المال
25% مستهدف زيادة العملاء الجدد للشركة
الناجحون لا يضيعون أعمارهم فى مرآة المقارنات، ولا يزنون إنجازاتهم بمقاييس الآخرين، لأنهم يدركون بيقينٍ هادئ أن لكل إنسان رحلته التى لا تشبه سواها، بتفاصيلها المعقدة وتوقيتها الذى لا يستعار. هم لا ينشغلون بمن سبق، ولا يتوقفون عند من تأخر، ولا يسمحون لضجيج المنافسة أن يربك إيقاعهم.. بل ينصتون لذلك الصوت الداخلى الذى يقودهم بثباتٍ نحو ما يريدون.. وكذلك محدثى رحلته لا تعرف الثبات.. بل تُعاد كتابتها كل يوم بروحٍ أكثر وعيًا.
اكتب مسارك بحبر التجربة، واصعد القمة بإيقاعك الخاص، مدفوعا بشغف لا ينتهى، وثقة لا تتزعزع.. وعلى هذا الأساس كانت مسيرته منذ الصبا.
الدكتور سيف عونى العضو المنتدب لشركة إيليت للاستشارات المالية.. تركيزه على الأرقام الفردية التى لا تقبل القسمة، كأنها تشبه قناعته، نجاحه يحمل بصمته وحده، ولا يشبه أحدًا، التحديات تزيد من وعيه وفكره.
فى قلب القاهرة، بالنقطة التى ينتهى عندها شارع عبدالخالق ثروت، لا يقف المكان مجرد امتدادٍ جغرافى، بل يتحول إلى سيرةٍ تُروى.. هنا يخلَّد اسم الرجل الذى جلس على مقعد رئاسة الوزراء مرتين، وخاض معارك التفاوض لإنهاء الحماية البريطانية، ينبض التاريخ بين الجدران، لا كذكرى صامتة، بل كحضورٍ كثيف يملأ الفراغ.
فى المبنى الشامخ الذى يقف كأنه شاهدٌ لا ينام، يحتفظ فى صمته بحكاياتٍ صنعت ملامح «المحروسة» عبر عصورٍ متعاقبة. ومن شرفاته، يمتد البصر نحو تمثال إبراهيم باشا، القائد الذى لم يعرف للهزيمة معنى، كأن الزمن اختار أن يضع أمام هذا المبنى مرآةً تعكس القوة والإرادة. فى الطابق السادس، حيث المساحة الخالية التى تمنح اتساعًا نادرًا، تبدأ تفاصيل أكثر عمقًا. مدخلٌ رئيسى يفضى إلى ممرٍ ضيق، يعقبه آخر، وعلى جانبيه غرفٌ صغيرة، كل منها عالمٌ مستقل، تنبض بحركة شبابٍ يشتغلون بصمتٍ مركز، كأنهم يعيدون ترتيب المستقبل قطعة قطعة.
وسط هذا النسيج المتشابك، تقبع غرفة متواضعة، لا تلفت النظر بقدر ما تصنعه. هنا، لا تُدار الأمور.. بل تُرسم. على مكتب بسيط يتوسط المكان، تتكدس ملفات التقييمات ودراسات الجدوى، كخرائط غير معلنة لقراراتٍ قادمة. وخلفها، قصاصات ورقية تحمل خطة يومٍ مزدحم، وتعاملاتٍ دقيقة مع شركاتٍ تنتظر الإشارة.. وبجوار كل ذلك، تستقر أجندة مختلفة.. لا تفيض بالتفاصيل، بل تختزن خلاصة التجربة: عبارات قصيرة، لكنها عميقة، تُذكّر دومًا بأن التوازن ليس خيارًا بل ضرورة، وأن الوسطية فى العلاقات درعٌ لا غنى عنه. ومع ذلك، تبقى ندبة خفية.. ثقةٌ مُنحت بسخاء، فكان ثمنها يُقتطع من العمل، ومن ملامح المستقبل ذاته.
حماسٌ مغلّف بالهدوء، كأن داخله بركانا يعرف متى يثور ومتى يكتفى بالاحتفاظ بحرارته. لا يُراهن على الحدس، بل ينحاز للأرقام.. حاسمة، لا تقبل التشتت. موضوعى إلى حدٍّ يجعله يضع التخمين خارج معادلاته، ويستبدله بقراءةٍ دقيقة للواقع.. تفاؤله ليس اندفاعًا، بل حذرٌ محسوب؛ ليس شكًا فى رؤيته، بل إدراك عميق بأن المشهد لا يُرسم بخطٍ واحد، وأن المتغيرات المحيطة قادرة دائمًا على إعادة كتابة السيناريو.. من هذا المنطلق، يرى أن الحكومة نجحت فى تهيئة الاقتصاد الوطنى لمسارٍ أكثر صلابة نحو النمو والتنمية المستدامة، مدفوعةً بإجراءات إصلاحية أعادت تحريك المياه الراكدة، وصححت بوصلة الاتجاه، وتزامن ذلك مع انحسار موجات التضخم عالميًا، وبدء سياسات التيسير النقدى، إلى جانب قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الداخلية عبر حزمة من المبادرات والبرامج الداعمة، وهو ما عزز ثقة المؤسسات المالية الدولية، ورسخ توقعات متفائلة بنمو الاقتصاد خلال عام 2026.
لكن، وفقًا لتحليله، وكما يحدث دائمًا، لم يترك العالم هذه الصورة تكتمل. التوترات الجيوسياسية اقتحمت المشهد، وكتبت فصلًا مضادًا، أعاد الاقتصاد العالمى إلى دوامة التقلبات، مع صعود أسعار الطاقة والبترول، لتتراجع التوقعات، ويجد الاقتصاد نفسه وكأنه يعود إلى نقطة البداية.. إلى سيناريو 2024 بكل ما حمله من ارتباك، وفى الداخل، لم تكن التحديات أقل وطأة، إذ ساهمت فى تعقيد الصورة، وفرضت ضبابية على المشهد الاقتصادى، دفعت الشركات الاستثمارية إلى إعادة حساباتها، وإعادة صياغة استراتيجياتها، مع حالة ترقبٍ تسبق اتخاذ أى قرار. فالتداعيات لم تظهر كاملة بعد.. وقد تحمل نتائج أعمال الربع الثالث من عام 2026 إشاراتٍ أكثر وضوحًا، أو ربما مفاجآتٍ تعيد ترتيب المشهد من جديد.
< كيف ترى التحديات الداخلية ودورها فى إبطاء مسيرة الاقتصاد؟
- بهدوءٍ لا يخلو من عمق يجيبنى قائلا: «إن المشهد لم يكتمل بعد.. فالحكومة لا تزال تمضى فى استكمال مسارها الإصلاحى، عبر حزمة من المبادرات والبرامج الداعمة، خاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بالتوازى مع تحركات محسوبة لإدارة ملف الديون، والسعى الجاد لتقليصها، سواء كانت داخلية أو خارجية».
بهذه الرؤية، التى تمزج بين الدقة والاتزان، لا يكتفى بقراءة الحاضر، بل يمتد ببصره إلى ما هو أبعد. يتعامل مع المستقبل بنفس المنطق: تفاؤلٌ مشروط، لا يندفع، بل ينتظر اكتمال الصورة، إذ يرى أن هدوء التوترات الجيوسياسية ليس مجرد عامل خارجى، بل مفتاح رئيسى لعودة الاقتصاد العالمى إلى إيقاعه الطبيعى.
وحين تستقر هذه المعادلة، يبدأ تأثيرها فى الظهور سريعًا عبر تدفقات استثمارية أجنبية تعود تدريجيًا إلى السوق المحلى، وثقة تستعيد توازنها. وعلى رأس تلك العوامل، يبرز هدوء الأوضاع فى قطاع غزة، بما يحمله من انعكاسات مباشرة على حركة رؤوس الأموال، وانتعاش قطاعات متعددة كانت تنتظر إشارة الاطمئنان.
إدراكٌ عميق بالقدرة على المواجهة.. هكذا يتبدى حديثه حين يقترب من ملف السياسة النقدية. يعترف بكفاءة البنك المركزى فى إدارة الأزمات، وقدرته على توظيف أدواته لضبط إيقاع الاقتصاد بين الانكماش والتوسع، والحفاظ على قدرٍ من الاستقرار وسط عواصف متلاحقة. لكنه، فى الوقت ذاته، لا يتخلى عن حقه فى التحفظ؛ فبعض القرارات، فى نظره، تحتاج إلى مراجعةٍ أكثر دقة، أو ربما إلى توقيتٍ أكثر حساسية.
هذا الصدق لا يتوقف عند تقييم السياسات، بل يمتد إلى نظرته لنفسه.. يقرأ نقاط قوته بوعى، فيعمل على تعزيزها، ويتعامل مع التحديات بلا مواربة. ويظهر ذلك بوضوح فى تناوله لملف الدين العام؛ إذ يرفض الاكتفاء بالحلول السريعة، ويرى أن بيع الأصول ليس سوى مسكناتٍ مؤقتة، قد تخفف الألم لكنها لا تعالج جذوره.
فى منطقه، المواجهة الحقيقية تبدأ من بناء مصادر مستدامة، عبر التوسع فى الاستثمارات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة حقيقية. فخدمة الدين، كما يراها، ليست مجرد بندٍ فى الموازنة، بل قيدٌ ثقيل يحدّ من انطلاق الاقتصاد، ويضعه فى اختبارٍ دائم بين النمو والالتزام.
< ماذا عن مرونة السياسة المالية.. وهل هذه المرونة تعزز المحفزات الإنتاجية؟
- علامات حيرة ترتسم على ملامحه قبل أن يجيبنى قائلا: «إن المرونة التى اتسم بها ملف السياسة المالية هدفها تعزيز الحصيلة الضريبية للدولة، كونه الإيراد صاحب الأولوية التى تقوم عليه الإيرادات، يليها بعد ذلك الاهتمام بمرونة ملف الإنتاج، ومنح مزيد من الإجراءات التحفيزية للتوسع فى الإنتاج والتصنيع، بما يصب فى مصلحة الاقتصاد».
ويستطرد فى حديثه قائلا: «إن دمج الاقتصاد غير الرسمى فى المنظومة الرسمية، قد يستغرق وقتا، وهو ما تسعى إليه الدولة من خلال الشمول المالى، ودمج المنظومة غير الرسمية فى المنظومة الرسمية، والتى من شأنها زيادة إيرادات الدولة، وتقليص عجز الميزانية».
تظل الاستثمارات الأجنبية مثارا للجدل بين الخبراء والمراقبين، لكن محدثى له رؤية خاصة فى هذا الاتجاه تبنى على أن استقطاب الاستثمارات الأجنبية تواجه منافسة شرسة فى ظل المحفزات والبيئة الاستثمارية التى تقدمها أسواق المنطقة، مع تداعيات التوترات الجيوسياسية، وتأثيرها على تدفقات الأموال الأجنبية، ورغم ذلك لا يزال السوق المحلى يحتفظ بدوره فى المقومات بكافة القطاعات.
بساطةٌ فى التعبير.. لكنها تخفى خلفها وضوحًا حادًا فى الرؤية. حين يتحدث عن الاستثمار المحلى، لا يذهب بعيدًا فى التعقيد، بل يضع إصبعه مباشرة على جوهر المعادلة، فالمستثمر المحلى هو حجر الأساس، والركيزة التى يُبنى عليها كل تدفقٍ لاحق لرؤوس الأموال الأجنبية. ومن هنا، تصبح مهمة الدولة أكثر تحديدًا.. محفزات ضريبية ذكية، وتيسيرات حقيقية، وبيئة أعمال تمنح الثقة قبل أن تطلبها. وفى قلب ذلك كله، ضرورة دفع القطاع الخاص إلى الواجهة، بعد سنواتٍ طويلة من التحديات التى كبّلت حركته وأبطأت انطلاقه.
< كيف يُقيّم الحراك الحالى فى برنامج الطروحات الحكومية؟
- ترتسم على ملامحه علامات ارتياحٍ واضحة، قبل أن يقول: «ما يحدث الآن هو خطوة فى الاتجاه الصحيح.. بعد سنواتٍ من التأجيل، بدأ الملف يتحرك أخيرًا. قيد الشركات فى البورصة تمهيدًا لتداولها ليس مجرد إجراء، بل إنجاز حقيقى للبرنامج، وتزداد أهميته مع توجه الحكومة لإتاحة خصومات على أسعار الطرح، ما يفتح الباب أمام شرائح جديدة من المستثمرين».
يتوقف قليلًا، ثم يُكمل برؤية أعمق: «بعض هذه الشركات تنتمى إلى قطاعات لم تكن ممثلة فى البورصة من قبل، وهو ما يمنح السوق تنوعًا طال انتظاره. إنها فرصة نادرة.. ليس فقط لتعزيز السيولة، بل لإعادة تشكيل الصورة الذهنية لسوق المال، وجعله أكثر جاذبية وواقعية».
بعيدًا عن لغة الأرقام، تتسلل فلسفته فى الحياة والعمل: تخلّص من مخاوفك، وامضِ خلف شغفك بأقصى درجات الأمل. هكذا بنى رحلته، وهكذا يرسم مستقبله. رؤيةٌ أكثر إشراقًا تتجسد فى مستهدفات واضحة: إعادة هيكلة الشركات العائلية، تمكين القطاع الخاص، زيادة قاعدة العملاء والكيانات الجديدة بنسبة 25%، والتوسع فى خدمات التقييم المالى والتشغيلى، ودراسات الجدوى، وترتيب الصفقات.
لا يبحث عن النجاح التقليدى.. بل عن الاختلاف. يتعلم باستمرار، ويُوازن علاقاته بعناية، وهى القيم التى يحرص على غرسها فى أبنائه. ومع كل ذلك، يبقى هدفه الأكبر حاضرًا بلا مواربة: أن تصل شركته إلى موقع الريادة فى السوق.. فهل يستطيع ذلك؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض