المواطن لا يعيش بالأرقام فقط..
خبير عن تأخر تقرير الفقر: تحويل البيانات إلى عدالة والسياسات إلى كرامة إنسانية
في وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية محليًا وعالميًا، يظل ملف الفقر أحد أهم المؤشرات التي تعكس كفاءة السياسات العامة وعدالة توزيع الثروة، ومع إعلان لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب منح وزارة التخطيط مهلة إضافية لإتاحة تقرير الفقر، تبرز تساؤلات مشروعة حول أسباب التأخير، ودلالاته، وانعكاساته على الاقتصاد والمجتمع.
تحليل اقتصادي وراء الأسباب
وفي هذا السياق أوضح الدكتور كرم سلام عبدالرؤوف سلام، الخبير الاقتصادي الدولي ومستشار العلاقات الاقتصادية الدولية، عن تأخر إعلان تقرير الفقر رغم الانتهاء منه، قائلاً:"رغم التأكيد الرسمي على الانتهاء من إعداد التقرير، فإن تأخر نشره قد يرتبط بعدة عوامل، أبرزها: المراجعة الفنية والسياسية حيث تقارير الفقر ليست مجرد بيانات، بل وثائق حساسة تؤثر على الرأي العام وثقة المؤسسات الدولية، ما يدفع إلى مراجعتها بدقة قبل النشر، تباين النتائج مع التوقعات حيث أنه في ظل موجات التضخم الأخيرة التي تجاوزت 30% في بعض الفترات خلال 2023–2024، قد تكون النتائج أكثر حدة، وهو ما يتطلب معالجة تفسيرية دقيقة.
-تحديث المنهجيات من خلال إدخال مفهوم “الفقر متعدد الأبعاد” قد يستدعي إعادة ضبط المؤشرات لضمان اتساقها مع المعايير الدولية، الربط ببرامج حكومية حيث أنه أحيانًا يتم تأجيل الإعلان ليتزامن مع إطلاق حزم حماية اجتماعية جديدة لتخفيف الأثر الإعلامي.
أما عن سبب اختلاف مؤشرات “الفقر متعدد الأبعاد” عن الفقر التقليدي، اشار “سلام"، إن
الفقر التقليدي يعتمد على الدخل أو الإنفاق فقط (مثل خط الفقر القومي الذي كان يدور حول 857 جنيهًا شهريًا للفرد في آخر إعلان رسمي عام 2020)، أما “الفقر متعدد الأبعاد” فيشمل: التعليم (سنوات الدراسة، التسرب)، الصحة (التغذية، الوصول للخدمات)، مستوى المعيشة (السكن، المياه، الصرف الصحي، الكهرباء)، لذلك قد نجد أن أسرة فوق خط الفقر النقدي لكنها تعاني من حرمان في التعليم أو الصحة، فتُصنف فقيرة “متعددة الأبعاد”، وهذا يفسر لماذا قد تختلف النسب، حيث تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الفقر متعدد الأبعاد قد يتجاوز الفقر النقدي بنسبة 5–10 نقاط مئوية.
أما عن أبرز المعايير المستخدمة في تقرير الفقر الجديد، فهو يعتمد التقرير الحديث على مزيج من المعايير، أهمها: خط الفقر القومي (وفقًا لتكلفة الاحتياجات الأساسية)، مؤشر الفقر متعدد الأبعاد (MPI) وفق منهجية United Nations Development Programm، بيانات بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ومؤشرات التضخم وسلة الغذاء، والفجوة بين الريف والحضر (حيث تتركز أكثر من 50% من الفقراء في صعيد مصر)، مشيرا إلى أن الفقر أصبح متعدد الأبعاد أكثر تعبيرًا عن الواقع المصري، ولكن بشرط التكامل مع المؤشرات النقدية.
في مصر، قد يحصل المواطن على دخل محدود لكنه يعاني من:ضعف جودة التعليم ، تدهور الخدمات الصحية ، سكن غير ملائم ، لذلك فإن الفقر متعدد الأبعاد: أكثر دقة في تشخيص جذور المشكلة، و يساعد في توجيه السياسات القطاعية (تعليم – صحة – إسكان)، لكنه لا يغني عن قياس الدخل، خاصة في ظل التضخم.
أما عن سبب تأخر البيانات على الاستثمار والتقييم الدولي، أشار الخبير الاقتصادي إلي أن تأخر البيانات يخلق عدة تحديات ضبابية الرؤية أمام المستثمرين بالاضافة الى صعوبة تقييم السوق المحلي بدقة ، ويؤدى إلى تأثير سلبي على تقارير مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي World Bank وInternational Monetary Fund ، و تشير التجارب الدولية إلى أن الشفافية الإحصائية ترفع تدفقات الاستثمار بنسبة تصل إلى 15–20% في الأسواق الناشئة، لاتا إلي أن تأثير غياب البيانات على البرلمان والرقابة يضعف:قدرة البرلمان على محاسبة الحكومة، تقييم كفاءة برامج الدعم، ومناقشة الموازنة العامة بشكل واقعي
او بمعنى آخر: لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه، مشيرا إلي أن انعكاسات التأخر على خطط التنمية والعدالة الاجتماعية يؤدى إلى: تأخر توجيه الموارد للفئات الأكثر احتياجًا، وضعف كفاءة برامج مثل “تكافل وكرامة”، وتأخير إعادة هيكلة الدعم، وقد يؤدي إلى هدر نسبي في الإنفاق الاجتماعي.
ونوه على أنه من المرجح ارتفاع معدلات الفقر بعد التضخم الأخير، حيث أن معدل الفقر الرسمي كان 29.7% عام 2019/2020 ، مع ارتفاع الأسعار بأكثر من 100% في بعض السلع الأساسية خلال عامين وتراجع القوة الشرائية ، تقديرات غير رسمية تشير إلى إمكانية ارتفاع الفقر إلى ما بين 32% – 35% إذا لم يتم تعويض الدخل، لافتا إلى أنه يمكن الاستفادة من نتائج التقرير، كما أنه لتحويل التقرير من “أرقام” إلى “سياسات”، يجب:إعادة توجيه الدعم نحو المناطق الأكثر فقرًا (خاصة الصعيد)، و ربط الدعم النقدي بالتعليم والصحة (مشروطية الدعم)، والتوسع في برامج الحماية مثل: تكافل وكرامة ، التأمين الصحي الشامل، ودعم المشروعات الصغيرة لتوليد دخل مستدام، واستخدام التكنولوجيا في استهداف المستحقين، أما عن توصيات : فيجب أن يكون هناك ضرورة الإفصاح الدوري والشفاف عن بيانات الفقر، واعتماد مؤشر وطني للفقر متعدد الأبعاد، وربط سياسات الأجور بمعدلات التضخم، وتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية لتحسين جودة البيانات، وتحويل الدعم من استهلاكي إلى إنتاجي وتنموي.
واختتم الخبير الاقتصادي كلامه قائلاً:"تأخر إعلان تقرير الفقر ليس مجرد مسألة إجرائية، بل مؤشر على تعقيد الملف ذاته، وبين الفقر النقدي ومتعدد الأبعاد، تظل الحقيقة الأهم أن المواطن لا يعيش بالأرقام فقط، بل بجودة حياته، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: تحويل البيانات إلى عدالة، والسياسات إلى كرامة إنسانية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض


