«بين البر والواجب»
.. سكن الزوجة المستقل حقٌ شرعى أم عقوقٌ للوالدين؟
فى مُجتمعنا المصرى يُشيد بيت الزوجية فوق تلال من العادات والتقاليد التى تتداخل فيها الحقوق الشرعية بالواجبات العائلية، وتظل قضية «السكن المستقل» هى حجر الزاوية فى استقرار الأسر أو انهيارها، خاصة عندما يوضع الزوج فى «كمّاشة» الاختيار بين رغبة زوجته فى الاستقلال وإصرار أمه على السكن معه، فهل المطالبة ببيت مستقل تُعد جحوداً؟ ومتى يتحول «البر» إلى «ظلم» يهدد كيان الأسرة؟
حق المسكن المستقل
يحسم الشيخ محمد عبد السميع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، الجدل فيما يخص «إلزامية» السكن المستقل. فيؤكد أن توفير مسكن منفصل للزوجة ليس من قبيل الرفاهية أو «الدلع»، بل هو واجب شرعى أصيل تماماً كالمأكل والمشرب والملبس.
ويقول عبد السميع موضحًا: «لا يجوز شرعاً إلزام الزوجة بالعيش مع الحماة أو فى مسكن مشترك إذا لم ترغب فى ذلك، لأن استقلال المسكن شرط أساسى لاستقرار الحياة الزوجية، وقبول بعض الزوجات بالعيش فى بيت العائلة هو تنازل طوعى منهن عن حقهن، وفى حال طالبت الزوجة بخصوصيتها، فإن الشرع ينصفها ويلزم الزوج بتوفير منزل منفصل كجزء من النفقة الواجبة».
غياب الخصوصية
هذا التأصيل يتقاطع مع رؤية الشيخ عويضة عثمان، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، الذى يرى فى «الباب المغلق» رمزاً للسكينة، ويستشهد بوصية النبى صلى الله عليه وسلم لسيدنا عقبة بأن «يسعه بيته»، مؤكداً أن السكن المستقل يعنى مسكناً مهيأً بمرافق خاصة (غرفة، حمام، ومطبخ) تتيح للمرأة حرية الحركة والخصوصية الكاملة، ولا يجوز لأحد دخولها دون إذنها، حتى وإن كان من أقرب المحارم.
ويحذر الشيخ عويضة من أن غياب هذه الخصوصية هو الوقود الأول لنيران المشاكل الأسرية والاضطرابات التى تؤدى غالباً إلى توتر العلاقة الزوجية وربما انهيارها تحت وطأة «الاختلاط المفرط».
هل الزوجة «مأمورة» بالخضوع؟
وفى جانب آخر من الصورة، يوضح الدكتور على فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن العلاقة الزوجية ليست «عقد إذعان»، ورداً على إشكالية طاعة الزوج فى الانتقال لـ «بيت العائلة» رغماً عن إرادة الزوجة، يقول: «طاعة الزوج واجبة فى غير معصية، لكنها لا تعنى أبداً إلغاء شخصية الزوجة أو التعدى على راحتها وإنسانيتها».
ويضيف فخر أن السعادة فى الإسلام تقوم على التراحم؛ فإذا كان السكن المستقل هو الضامن الوحيد لكرامة الزوجة واستقرارها النفسى، فإن إجبارها على السكن المشترك يُعد خروجاً عن روح المودة والرحمة التى أمر بها الله.
خدمة أهل الزوج
من أكثر النقاط ترتبط برفض الزوج للسكن المستقل للزوجة، وتثير النزاع هى إجبار الزوجة على خدمة «الحماة» أو أهل الزوج، وهنا يحسم الشيخ محمد عبد السميع الجدل بوصفه لبعض الممارسات بـ«الصور المأساوية»، خاصة عندما يسافر الزوج ويترك زوجته حبيسة فى بيت أهله لخدمتهم.
ويشدد عبد السميع على أن: «خدمة أهل الزوج ليست واجباً شرعياً، بل هى تكرم وتفضل من الزوجة، وحبس الزوجة فى بيت أهل الزوج دون رعاية زوجها لها يعد تقصيراً فى حقوقها، ولها الحق فى رفض هذا الوضع والمطالبة بحقوقها كاملة دون أن تتمادى أى أطراف فى ظلمها باسم الدين».
استقلال الزوجة وعقوق الوالدين
النقطة الشائكة فى هذا التحقيق هى ربط استقلال الزوجة بـ «عقوق الوالدين». يرى الكثير من الأزواج أن رفض سكن الأم معهم هو طعنة فى قلب البر. فما رأى الشرع؟
يؤكد الدكتور شوقى علام، مفتى الديار المصرية السابق، فى فتاوى عديدة، أن «بر الوالدين لا يعنى بالضرورة السكن معهما فى وحدة واحدة إذا كان ذلك يسبب ضرراً للزوجة أو تضارباً فى المصالح»، ويضيف أن العقوق هو الإساءة للوالدين أو تقصير الابن فى النفقة عليهما أو خدمتهم عند الحاجة، أما توفير مسكن مستقل للزوجة مع تخصيص مسكن قريب للأم أو رعايتها فى بيتها، فهو ذروة «التوازن» وليس عقوقاً.
ويوضح الفقهاء قاعدة هامة: «لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق»، وظلم الزوجة بسلبها حقها فى الاستقرار والخصوصية هو نوع من التعدى الذى لا يبرره بر الوالدين، فالبر «واجب» وحق الزوجة «واجب»، والواجبات لا تُلغى بعضها بعضاً بل تُنظم.
إصرار الأم على السكن مع ابنها
لماذا تصر بعض الأمهات على السكن مع الأبناء؟ بحثنا فى هذا الجانب مع خبراء علم الاجتماع الذين أشاروا إلى أن الأمر غالباً ما يرتبط بـ «فوبيا الفقد».
تقول الدكتورة سحر مبروك، باحثة اجتماعية: «فى مجتمعاتنا، تُعرف الأم نفسها من خلال دورها فى حياة أبنائها، عندما يتزوج الابن، تشعر بتهديد لمكانتها، فتصر على السكن معه لتظل المسيطرة أو لتضمن عدم تهميشها».
لكن هذا الإصرار، بحسب الخبراء، قد يؤدى إلى نتائج عكسية؛ فالتدخل المستمر فى تفاصيل الحياة اليومية (من ماذا نأكل؟ إلى كيف نربى الأبناء؟) يخلق فجوة من الجفاء بين الزوجة والحماة، ويضع الزوج تحت ضغط عصبى قد يؤدى به إلى كره الطرفين أو الهروب من البيت.
وفى الختام، نصل من خلال آراء المتخصصين، إلى حلول عملية لهذا النوع من الخلافات؛ حيث نجد أن مسألة السكن يجب أن تُحسم بالحوار والتفاهم بين الزوجين، دون انفراد أحدهما بالقرار، وأن اختيار سكن قريب من أهل الزوج، دون أن يكون داخل نفس المساحة المشتركة، قد يحقق توازنًا مهمًا بين الاطمئنان على الأسرة والحفاظ على خصوصية الحياة الزوجية.
وفى السياق ذاته، تبرز أهمية دور الزوج فى إدارة هذا التوازن بحكمة، بحيث لا يُشعر والدته بأنها عبء عليه، ولا يجعل زوجته تشعر بأنها محرومة من حقها فى الاستقلال والراحة، بما يضمن استقرار العلاقة بين جميع الأطراف، لأن الحق فى مسكن مستقل ليس «تفضلاً» من الزوج، بل هو استحقاق شرعى وقانونى لضمان السكينة، وإصرار الأم على السكن المشترك -دون ضرورة قاهرة- أو إجبار الزوجة على خدمة أهل الزوج رغماً عنها، هى ممارسات تخالف روح الإسلام ومقاصده.


تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض