رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

على أكتافهم تدور الحياة

شباب بـ100 راجل

بوابة الوفد الإلكترونية

من رضيع بلا أب الي اسطي حكايه حلم بدأ مبكراً
 

بين الكتب واللقمه..قصه كفاح طالب يطارد حلمه

 

فى زحام الأخبار السريعة التى تتبدل كل لحظة على منصات التواصل الاجتماعى، تظهر أحيانًا قصص لا تصنع ضجيجها بقدر ما تصنع أثرها، حكايات بسيطة فى شكلها، لكنها ثقيلة فى معناها، قادرة على أن توقف التمرير العشوائى للشاشات، وتفرض حضورها كأنها تطرق باب القلب قبل العين، من بين هذه القصص، برزت حكاية الشاب جلال مجدى، ابن الثمانية عشر عامًا، الذى لم يبحث عن الضوء، لكن الضوء جاء إليه من لقطة عفوية فى يوم عمل شاق، ليحوّل لحظة عادية إلى مرآة واسعة لمعانى الكفاح والكرامة.

لم يكن أحد يتوقع أن مشهدًا لشاب يجلس على الأرض خلال استراحة قصيرة من عمله كـ”نقاش”، ممسكًا برغيف خبز بسيط وكيس طعام متواضع، سيحمل هذا القدر من الصدى، المشهد فى ظاهره عاديًا، جزءًا من يوم طويل يتكرر فى حياة آلاف العمال، خلف تلك اللقطة، كان هناك ما هو أعمق من التعب والجوع، هناك شاب يحاول أن يسرق من وقته القليل ليجمع ما يكفى لشيء أكبر من اللحظة، لعملية فى عينه قد تغير مستقبله.

حين جاءت المزحة من أحد زملائه واصفًا إياه بالبخل، لم يتعامل جلال معها كإهانة، بل فتح الباب لحقيقة كاملة لم تكن ظاهرة فى الصورة، قال ببساطة صادمة فى صدقها إنه لا يبخل، بل يدخر من قوته ومن يومه ومن إرهاقه، من أجل علاج ينتظره، ومن أجل حياة يحاول أن يصنعها بيدين لا تعرفان الترف، بل تعرفان فقط العمل المستمر، عندها فقط خرجت القصة من إطار الفيديو، ودخلت إلى مساحة إنسانية أوسع بكثير من شاشة الهاتف.

«جلال» هو الابن الأكبر فى أسرة تتحمل فوق طاقتها، أب يعمل بالأجر اليومى دون استقرار، وأسرة تحاول أن تبقى واقفة رغم كل ما يثقلها من احتياجات يومية لا تنتظر، فى هذا المشهد، لا يبدو الكفاح خيارًا، بل يبدو ضرورة لا مهرب منها، ومع ذلك، لم يتحول حديث جلال إلى شكوى، بل إلى سرد هادئ لأحلام صغيرة فى ظاهرها، لكنها بحجم حياة كاملة، وظيفة مستقرة للأب، بيت أكثر أمانًا، وزواج كريم لشقيقات ينتظرن مستقبلًا أقل قسوة.

انتشار الفيديو لم يكن جزءًا من خطة أو بحث عن شهرة، بل مفاجأة قلبت يوم الشاب رأسًا على عقب، وجد نفسه فى لحظة واحدة أمام آلاف المشاهدات، وأمام أسئلة واهتمام لم يكن مستعدًا له، لكن ما بدا لافتًا فى رد فعله، أنه لم ينجرف خلف هذا الاهتمام، ولم يطلب منه شيئًا، رفض أى مساعدات مادية، وترك لنفسه مساحة واحدة فقط من التفاعل، دعاء الناس، كما قال، كان كافيًا ليشعر أنه لم يكن وحده فى لحظة ضعفه.

ورغم هذا الرفض، جاءت بعض البشائر التى أعادت فتح باب الأمل، بعد تواصل أحد الأطباء معه وإبداء استعداده لإجراء العملية التى يحتاجها. لحظة صغيرة لكنها بدت كأنها توازن جديد فى حياة كانت تميل بثقلها فى اتجاه واحد، لم تعد القصة مجرد كفاح يومى، بل أصبحت أيضًا احتمالًا حقيقيًا لتغيير ممكن.

حكاية جلال ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة، فهناك الكثير من «جلال» منهم من يجرى وراء حلم المستقبل أو علاج لأحد والديه، ولكنهم فى النهاية يتساوون فى الحلم والعمل،« الوفد» بحثت عن هذه النماذج فى الشوارع لنسلط عليها الضوء من خلال هذا التحقيق

بين الكتب واللقمة.. قصة كفاح طالب يطارد حلمه

فى الوقت الذى يختنق فيه يوم كثير من الطلاب بين الدروس والامتحانات، يعيش «فتحى على» طالب الصف الثالث الثانوى حياة مختلفة تمامًا، لا تشبه جدول المذاكرة المعتاد، ولا تشبه سنوات الدراسة الهادئة التى تُروى فى القصص، يمتزج الحلم بالمسئولية، وتختلط الكتب بإرهاق العمل، ويصبح الوقت نفسه خصمًا لا يرحم.

فتحى لا يعيش فقط ضغط الثانوية العامة، بل يحمل فوق كتفيه مسئولية بيت كامل، أبٌ يمر بظروف صحية تمنعه من العمل بشكل منتظم، وأم تكتفى بالدعاء والدعم، وثلاثة أشقاء أصغر ينتظرون منه سندًا لا ينكسر، لم يعد «الابن الأكبر» مجرد ترتيب بين الأبناء، بل تحول إلى دور كامل يشبه العمل اليومى الذى لا ينتهى.

يبدأ يومه مع أول ضوء، يحمل حقيبته متجهًا إلى المدرسة، يحاول أن يلتقط ما يستطيع من شرح الدروس وسط سباق الوقت، يومه الحقيقى لا يتوقف عند نهاية الحصص، فمع حلول المساء، ينتقل إلى عمله، بحثًا عن دخل بسيط يساعد به أسرته على مواجهة متطلبات الحياة اليومية التى لا ترحم.

بين الدراسة والعمل، يتآكل الوقت شيئًا فشيئًا، لكن ما يتبقى منه لا يضيع هدرًا. يعود إلى بيته فى ساعات متأخرة، يفتح كتبه مرة أخرى، يحاول أن يلاحق ما فاته، يذاكر بعد منتصف الليل، بينما العالم كله يخلد إلى النوم. لا ينام سوى ثلاث ساعات تقريبًا، لكنها، كما يقول، ليست كافية للجسد، لكنها كافية ليكمل الطريق.

ورغم هذا الضغط، لا يتحدث فتحى بلغة الشكوى. جملته الأقرب إلى قلبه بسيطة لكنها تحمل الكثير.. «ربنا يقوينى» بين هذه الكلمات تختبئ فلسفة كاملة فى الصبر، وإيمان بأن ما يعيشه اليوم ليس نهاية، بل مرحلة صعبة ستمر مهما طال وقتها.

فى خلفية هذه القصة، تقف الأم كدعامة صامتة، لا تملك إلا الدعاء، دعواتها، كما يصفها، هى الوقود الحقيقى الذى يدفعه للاستمرار، وفى كل مرة يشعر فيها بالإنهاك، يتذكر أن خلفه ثلاثة أطفال أصغر ينتظرون منه أن يكون القدوة والسند، لا مجرد أخ أكبر.

لا يعيش «فتحي» حياة المراهق العادى الذى يخطط لمستقبله بهدوء، بل يعيش سباقًا يوميًا بين الحلم والواقع. حلمه بسيط فى ظاهره، أن ينجح، أن يخفف الحمل عن والده، وأن يفتح بابًا لحياة أكثر استقرارًا لأسرته، لكنه فى العمق، حلم ثقيل، يحتاج إلى قوة تفوق عمره بكثير.

قصة «فتحى» ليست استثناءً نادرًا بقدر ما هى انعكاس لشباب كثيرين يصنعون مستقبلهم فى صمت، بعيدًا عن الأضواء، لكنها تظل مثالًا واضحًا على كيف يمكن للإرادة أن تقف فى مواجهة قسوة الظروف، وكيف يمكن لطالب فى الثانوية العامة أن يكون فى الوقت نفسه ابنًا، وأخًا، وعاملًا، وحاملًا لأحلام أسرة كاملة على كتفيه.

من رضيع بلا أب إلى «أسطى».. حكاية كفاح بدأت مبكرًا

«خالد جمال» طفل كبر قبل أوانه، وتعلم أن الحياة لا تمنح فرصًا مؤجلة، لم ينتظر «خالد» سنوات الطفولة الطويلة ليكتشف معنى المسئولية، بل وجد نفسه داخلها منذ اللحظة الأولى تقريبًا، حين فقد والده وهو لا يزال رضيعًا، ليبدأ فصلا مختلفا تمامًا من العمر، فصلا لا يُكتب فى دفاتر المدرسة بل يُكتب على أرضية ورشة ميكانيكى.

لم تكن الحياة رحيمة فى البداية، فغياب الأب يعنى فراغًا كبيرًا فى بيت صغير، لكن القدر قاده إلى ورشة جاره، هناك حيث اختلط صوت المفاتيح المعدنية برائحة الوقود، وهناك بالتحديد بدأ «خالد» أول خطواته فى عالم الميكانيكا. طفل صغير بين رجال كبار، يراقب، يقلد، يتعلم بصمت، وكأن المهنة كانت تنتظره ليكملها بدلًا من أن يختارها.

مع مرور السنوات، لم يعد خالد مجرد طفل يساعد فى الورشة، بل أصبح جزءًا منها، يعرف تفاصيلها كما يعرف خطوط يده، تشكلت خبرته مبكرًا، لا عبر الدراسة النظرية، بل عبر الاحتكاك اليومى بالموتورات والسيارات والأعطال التى لا تنتهى. كل يوم كان يحمل درسًا جديدًا، وكل عطل كان اختبارًا صغيرًا لصبره وقدرته على الفهم.

ورغم قسوة البداية، لم يكن خالد وحده تمامًا. كان له شقيق أكبر، لكنه اختار طريق السفر بعد الزواج، بحثًا عن فرصة حياة مختلفة خارج مصر. ومع ذلك، لم يتحول هذا الغياب إلى اعتماد على الآخرين، بل زاد من إصرار خالد على أن يكون مسئولًا عن نفسه، لم ينتظر دعمًا ماليًا منتظمًا، ولم يعتد فكرة الاتكال، بل تبنى مبدأ بسيطًا وصريحًا كما يرويه: «كل واحد شايل شيلته».

هذا المبدأ لم يكن مجرد كلمات، بل أسلوب حياة، «خالد» لا يحب أن يطلب المساعدة حتى من أخيه، رغم قربه العائلى، معتبرًا أن ضغوط الحياة كافية على الجميع، وأن لكل شخص معركته الخاصة، الإحساس المبكر بالاستقلال لم يأتِ من رفاهية الاختيار، بل من واقع فرض عليه أن يكون كبيرًا قبل الأوان.

فى الورشة، لا يُعامل خالد كطفل، بل كعامل يعرف ما يفعل. يده الصغيرة التى بدأت تكتشف أدوات الميكانيكا فى سن مبكرة، أصبحت اليوم تعرف كيف تتعامل مع أعقد الأعطال، لم يتعلم من الكتب، لكنه تعلم من التجربة، من الخطأ، ومن المحاولة المتكررة حتى يصل إلى الحل. وبين كل ذلك، تشكلت شخصيته على مهل، شخصية تميل إلى الصمت أكثر من الكلام، وإلى العمل أكثر من الشكوى.