مفهوم الرهن ودليل وحكمة مشروعيته في الإسلام
من المقرر أن الرهن هو المال الذي يُجعل وثيقة للدين لضمان استيفائه، وحكمه الجواز بالكتاب والسنة والإجماع تيسيرًا للمعاملات، ويقوم عقد الرهن على أربعة أركان هي: العاقدان (الراهن والمرتهن)، الصيغة، المرهون به (الدين اللازم)، والمرهون (العين ذات القيمة)، وتختلف آراء الفقهاء في كيفية الانتفاع بالمرهون وحكم ضمانه.
مفهوم الرهن
الرهن في اللغة يعني الثبات والدوام، نقول: رهن الشيء يرهن رهونًا، أي ثبت، ويتعدى بالهمزة، أرهنته، وهي لغة قليلة.
وشرعًا: المال الذي يُجعل وثيقة بالدَّين ليستوفي منه ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه.
وحكمه: الجواز.
ودليل مشروعيته: الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرࣲ وَلَمۡ تَجِدُوا۟ كَاتِبࣰا فَرِهَٰنࣱ مَّقۡبُوضَةࣱۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضࣰا فَلۡیُؤَدِّ ٱلَّذِی ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡیَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. والمعنى فارهنوا واقبضوا، والأمر فيه للجواز؛ لأنه قال: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضࣰا فَلۡیُؤَدِّ ٱلَّذِی ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ﴾، والتقييد فيه بالسفر خرج مخرج الغالب؛ ولأن السفر مظنة عدم وجود الكاتب الذي يكتب وثيقة الدَّين، فيُغني عنه الرهن.
ومن السنة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رَهَنَ دِرْعَهُ عِندَ يَهُودِيٍّ عَلَى طَعَامٍ لِأَهْلِهِ.
وأما الإجماع: فقد حكاه ابن المنذر قائلًا: "وأجمعوا على أن الرهن في السفر والحضر"، وانفرد مجاهد فقال: لا يجوز في الحضر".
وحكمة مشروعيته: تيسير المعاملات بين الناس ورفع الحرج عنهم، فقد يحتاج الإنسان إلى الاستدانة لقضاء مصلحة من مصالحه، ولا يوجد مَن يعرفه أو يثق فيه، أو لا يجد الكاتب الذي يوثِّق هذه المداينة بالكتابة، فكانت الحاجة إلى الرهن الذي يعطي الدائن الثقة بأن يستوفي دينه إذا لم يسدده المدين من الرهن.
أركان الرهن
وأركان عقد الرهن أربعة:
الركن الأول: العاقدان (الراهن والمرتهن) أي المدين والدائن، ويُشترط في كلٍّ منهما أن يكون متمتعًا بأهلية التصرفات المالية بالبلوغ والعقل والرشد، كما يشترط في المرتهن خصوصًا أن يكون أهلًا للتبرعات المالية؛ لأن الرهن نوع من التبرع بالمنفعة أي: الانتفاع بالمال في مدة الرهن (الفترة بين الاستدانة والوفاء).
الركن الثاني: الصيغة التي يتم بها العقد.
والرهن يتم بأية وسيلة تنبئ عن رضا المتعاقدين وتُفصح عنه، ولما كان الرضا أمرًا خفيًّا فقد أقام الشرع علامة تدل عليه وهي الإيجاب والقبول.
الركن الثالث: المرهون به، وهو الدَّين.
ويُشترط فيه أن يكون دينًا لازمًا أو في طريقه إلى اللزوم، مثل ثمن المبيع، والقرض، والغرامة، والمهر بعد الدخول، أما لو كان غير لازمٍ كنفقة الزوجة الشهر القادم، أو المكافأة على عمل قبل إتمامه فلا يجوز.
الركن الرابع: المرهون، وهو العين التي تُجعل وثيقة بالدَّين
وقد اشترط الفقهاء فيها بالاتفاق أن تكون متقوَّمة، أي: شيء له قيمة مالية يمكن أخذ الدَّين منها أو من ثمنها.
وقد منع الحنفية انتفاع الراهن أو المرتهن بالعين المرهونة إلا بإذن الطرف الآخر.
ورأى المالكية أن منفعة المرهون للراهن؛ لأنه صاحبه، ولا يجوز انتفاع المرتهن، وينوب المرتهن عن الراهن في تحصيل هذه المصلحة، وأجازوا للمرتهن الانتفاع بالمرهون إذا اشترط ذلك في صلب العقد، ولم يكن الدَّين بسبب القرض، فإن كان عن قرضٍ فهو ربًا؛ لأنه قرض جرَّ نفعًا.
ورأى الشافعية أن منفعة المرهون للراهن؛ لأنه صاحبه، ولكن يشترط أن ينتفع به انتفاعًا لا يضر به ولا ينقص قيمته.
وفرق الحنابلة بين المركوب والمحلوب وغيرهما، فأجازوا للمرتهن الانتفاع بالمرهون المركوب والمحلوب مقابل الإنفاق عليه والمحافظة على حياته.
وقد ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن يد المرتهن على المرهون يد أمانة، بمعنى أنه لا يضمن عند هلاكها إلا إذا فرط أو قصَّر.
وذهب الحنفية إلى أن يد المرتهن على المرهون يد ضمان، فإذا أهلكت الوثيقة ضمن ثمنها، فإن نقصت عن الدَّين طالبه بالفارق، وإن زادت خصم الدَّين، وأن الزائد من ثمنها كالعقارات والحيوانات لا يضمن إلا إن ثبت تفريطه، وأما المال الباطن الذي يمكن إخفاؤه كالنقود والمجوهرات فإنه يضمن إلا إذا ثبت تقصيره أو تفريطه.
مبطلات الرهن
ويبطل الرهن بعدة أمور هي:
هلاك الرهن أو تلفه بسببٍ خارجي كموت الحيوان المرهون بمرض، أو تلف المال المرهون بفعل لا يُضمن مثل العدو المحارب، أو الصغير غير المميز، كما يبطله فسخ المرتهن؛ لأن هذا حقه، وكذلك بالبراءة من الدَّين بأداء أو إبراء، ويتصرف الراهن في المرهون بما يزيل الملك إذا كان بإذن المرتهن أو بيعه، وكذلك يبطله إيداع المدين المرهون عند غير المرتهن بإذنه، كل هذه الأمور وما يشبهها تبطل الرهن؛ لأنه يصبح إزاءها بلا جدوى.
ويجب بيع المرهون عند حلول الأجل، ومطالبة المرتهن بفك الرهن وعجز الراهن عن ذلك، والذي يقوم بالبيع هو الراهن بإذن المرتهن، فإن امتنع باعه عليه القاضي عند الجمهور.
ورأى الحنفية أن القاضي لا يبيعه عليه؛ لأن هذا حجر على الإنسان فيما يملك، إنما يحبسه لمماطلته حتى يبيع ويسدد ما عليه من دَين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض



