رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 في ظل تسارع تداول المعلومات، لم تعد الكلمة مجرد رأي يُقال، بل أصبحت أداة قد تُربك أسواقًا، وتهز ثقة، وتؤثر في مصائر اقتصادية كاملة.. ومن هنا تبرز خطورة ما تم تداوله بشأن تعثر أحد رجال الأعمال في سداد قروض تُقدّر بعشرات المليارات، وما تبعه من هجوم قانوني وإعلامي مضاد على الصحفيين الذين قاموا بنشر تلك المعلومات.

 القضية في جوهرها لا تتعلق بشخص بعينه، ولا بمحامٍ  يدافع، ولا بصحفي ينشر، بل تمس خطًا فاصلًا شديد الحساسية بين حق المجتمع في المعرفة، وحق الأفراد في حماية سمعتهم ومراكزهم القانونية والمالية.

 وفي هذا السياق تحديدًا، تبرز واقعة نشر بعض الصحف أخبارًا تتعلق بمديونية رجل الأعمال محمد الخشن التي قُدّرت بنحو 40 مليار جنيه، وما تبع ذلك من هجوم علني من المحامي خالد أبو بكر على هذه التغطيات، متهمًا الصحافة بالإساءة إلى رجال الأعمال والتأثير السلبي على مناخ الاستثمار؛ وهنا يثور تساؤل قانوني بالغ الأهمية: هل يملك المحامي، بوصفه محاميًا أو حتى كمتحدث إعلامي، أن يتجاوز حدود النقد إلى ما قد يُفهم على أنه تضييق على حرية الصحافة؟

 الإجابة الحاسمة أن القانون لا يمنح أي شخص، مهما كانت صفته، سلطة الحد من حرية الصحافة أو مصادرتها خارج الإطار القضائي، فحرية النشر مكفولة دستوريًا، ولا يجوز تقييدها إلا عبر القضاء وبناءً على مخالفة ثابتة للقانون.
 ومن ثم؛ فإن حق المحامي يظل مقصورًا على الرد القانوني والمهني، سواء بتكذيب الوقائع، أو المطالبة بحق الرد، أو اللجوء إلى القضاء إذا ثبت عدم صحة ما نُشر، أما توجيه اتهامات عامة للصحافة، أو محاولة نزع مشروعيتها، فلا يُعد تكييفًا قانونيًا بقدر ما هو موقف جدلي يدخل في نطاق الرأي، وقد ينزلق – إذا تجاوز حدوده – إلى دائرة المساءلة القانونية حال تضمّنه إساءة أو تشهيرًا بالصحفيين.

 فالقانون المصري لم يُطلق حرية النشر على عواهنها، كما لم يقيدها بشكل مطلق، بل وضع لها ضوابط دقيقة.. فإذا كان ما نُشر غير صحيح، أو غير مستند إلى أدلة واضحة، فإننا نكون أمام جريمة مكتملة الأركان، تتراوح بين نشر أخبار كاذبة وقذف، خصوصًا إذا ترتب على ذلك الإضرار بسمعة مالية لشخص أو كيان اقتصادي، وهو أمر بالغ الخطورة في بيئة تعتمد على الثقة والاستقرار.

 أما إذا كان النشر قائمًا على وقائع صحيحة، مدعومة بمستندات، ويهدف إلى تحقيق مصلحة عامة من دون تعمد التشهير أو الإساءة، فإن الصحفي هنا يمارس دوره الطبيعي، ويستظل بحماية القانون الذي كفل حرية الرأي والتعبير في إطار المسؤولية المهنية.

 وعلى الجانب الآخر، فإن رد الفعل تجاه هذا النشر يخضع هو الآخر لذات الميزان القانوني، فالدفاع القانوني والرد المهني وتفنيد المعلومات هو حق أصيل، بل واجب في بعض الأحيان، لكن هذا الحق لا يمتد ليشمل التجاوز أو الإساءة الشخصية، فإذا خرج الرد عن حدود النقد إلى السب أو القذف، تحوّل من دفاع مشروع إلى مخالفة قانونية تستوجب المساءلة.

 والأخطر في مثل هذه القضايا، أنها لا تقف عند حدود أطرافها، بل تمتد آثارها إلى السوق بأكمله، حيث قد يؤدي تداول أخبار غير دقيقة عن تعثر مالي إلى اهتزاز الثقة في مؤسسات، أو إثارة مخاوف لدى المتعاملين، وهو ما يفسر تشدد القانون في هذا النوع من الجرائم.

 وفي النهاية، تبقى القاعدة الأهم.. أن حرية الكلمة لا تنفصل عن مسؤوليتها، وأن الدفاع عن الحقوق لا يبرر الاعتداء على حقوق الآخرين، وأن القانون لا ينحاز لطرف بقدر ما ينحاز للضوابط التي تحفظ التوازن بين الجميع.