حكم العمل في تطبيق يتضمن محادثات صوتية وألعاب ومراهنات
حرم الشرع الشريف العمل في تطبيق يتضمن محادثات صوتية وألعاب ومراهنات أو لصالحه، والذي تجري فيه محادثاتٌ غيرُ منضبطةٍ بين الرجال والنساء، ويشتمل على ألعابٍ قائمةٍ على المراهنات المالية، ولا يخضع لأي سلطةٍ رقابِيَّةٍ، وسواءٌ كان العمل في وكالة الشحن، أو في خدمة العملاء.
ضوابط الكسب في الإسلام
حثَّ الشرع الشريف على العمل والسعي والكسب، فقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 10]. ومعنى ﴿ابتغوا﴾: اطلبوا الرزق واجتهدوا في اكتسابه.
والعمل والكسبُ في الشريعة الإسلامية إنما يكونان مشروعين متى كانا واقعين في نطاق المباح، قائمين على منفعةٍ مشروعةٍ خاليةٍ من المحظورات الشرعية، فما كان محرَّمًا في ذاته، أو في مقصده، أو في وسيلته، حَرُم على المسلم أن يعمل فيه أو أن يُسهم في تسييره؛ لأن العمل فيه حينئذٍ يكون داخلًا في التعاون على الإثم والعدوان، وهو منهيٌّ عنه شرعًا بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
ومن القواعد الفقهية المقررة أنَّ "الوسائل لها أحكام المقاصد"، كما في "قواعد الأحكام" للإمام العز بن عبد السلام (1/ 53، ط. مكتبة الكليات الأزهرية)، فالعمل متى كان مفضيًا بذاته إلى تسيير شيءٍ محرَّم كان محرَّمًا كذلك.
رأي الشرع الشريف في العمل في تطبيق يتضمن محادثات صوتية وألعاب ومراهنات
يعد العمل في نطبيق المحادثات والمراهنات يشتمل على جملةٍ من المحاذير الشرعية، والتي تجعل العمل فيه -سواء في وكالة الشحن أو في خدمة العملاء- محرَّمًا؛ لكونه حينئذٍ إعانةً على المحرَّم، ومن تلك المحاذير ما يلي:
أوَّلًا: العلاقة غير المنضبطة بين الرجال والنساء، واشتمال الغرف الصوتية على كلام غير لائق بين المستخدمين من الجنسين، فإنَّ الشريعة الغراء قد أجازت الكلام بين الرجل والمرأة الأجنبية عنه عند الحاجة، فإن لم يكن الكلام لحاجةٍ، وكان فيه نوع خضوع أو فحش أو نحو ذلك، أو كان مظنة الميل والافتتان -كان حرامًا شرعًا.
والشريعةُ لما أجازت هذا الكلام لحاجةٍ، فإنَّها قيَّدته بمراعاة شرطين:
أحدهما: عدم الخضوع بالقول.
والآخر: أن يكون الكلام في حدود القول المعروف، أي: القول الصواب الذي لا تنكره الشريعة ولا تستقبحه النفوس السليمة، قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32].
ولا يُقال إن هذا الحكم خاصٌّ بأمهات المؤمنين؛ فإنَّ الخطاب لهن، ولمن جاء بعدهُنَّ من نساء المؤمنين إلى أن تقوم الساعة.
قال الحافظ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (6/ 408، ط. دار طيبة): [هذه آدابٌ أمرَ الله تعالى بها نساءَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ونساءُ الأمة تبعٌ لهنَّ في ذلك] اهـ.
ثانيًا: اشتماله على مراهنات مالية، حيث يقوم المستخدم بالاشتراك بقدرٍ محدَّدٍ من الـ(ماسات) المشتراة بمال في لعبة معينة من خلال التطبيق، فإن فاز فيها ربح مالًا، وإن لم يفُز خَسِر ماله، وتلك صورة من صور المقامرة المحرمة شرعًا؛ لما فيها من المخاطرةِ، و"كلُّ شَيءٍ فيه خطرٌ فهو من الميسر"، كما قال الإمام ابن سِيرِين ونقله عنه الإمامُ الزَّمَخشَرِي في "الكشاف" (1/ 262، ط. دار الكتاب العربي).
ويُعرف القُمارُ أيضًا بالمَيْسر، وسُمِّيَ بذلك اشتقاقًا مِن اليُسر، إذ يحصل فيه المقامِرُ على المال بيُسرٍ وسهولةٍ إن كان له نصيبٌ في المكسب، وإلا خسر ما قدَّمه مِن المال، كما في "مفاتيح الغيب" للإمام فخر الدين الرَّازي (6/ 400، ط. دار إحياء التراث العربي).
وقد حرَّم اللهُ تعالى اتِّخاذ الميسر وسيلةً للكسب، فقال جَلَّ وَعَلَا في محكم التنزيل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90].
وعن قَيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ رَبِّي حَرَّمَ عَلَيَّ الخَمرَ وَالمَيسِرَ» أخرجه الإمامان أحمد، والبيهقي في "السنن الصغرى" وقال: "ورُوِّينا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: الميسر: القمار".
وقد أجمع الفقهاءُ على حرمة الميسر والمقامرة، ونقل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ مِن العلماء.
قال الإمام أبو بكرٍ الجَصَّاص في "أحكام القرآن" (1/ 398، ط. دار الكتب العلمية): [ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم القمار، وأنَّ المخاطَرة مِن القمار، قال ابن عباس: المخاطَرة قمار] اهـ.
وقال الإمام برهان الدين ابن مَازَه في "المحيط البرهاني" (5/ 324، ط. دار الكتب العلمية): [والقمار حرامٌ بالإجماع وبنصِّ التنزيل] اهـ.
والحِكمَة مِن تحريم المقامرة والعمل بها -فضلًا عما ثبت فيها مِن الخطر-: إذهاب المال وإضاعته بغير عِوضٍ مقبولٍ عند العقلاء، كما نصَّ عليه الإمام ابن أمير حاج في "التقرير والتحبير" (1/ 137، ط. المطبعة الأميرية).
ثالثًا: عدم خضوع البرنامج لأي جهة رقابية، وهو ما يعرِّض أموال الناس للخطر والضياع، وقد مَنَعَ الشرعُ الشريف إضاعةَ المال أو إتلافه؛ لأنَّه جعله وسيلةً لقيام الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: 5].
وعن المُغِيرَة بن شُعبَة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُم ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثرَةَ السُّؤَالِ» متفقٌ عليه.
كما أن حفظ المال أحد المقاصد الكلية الكبرى في الإسلام، ولم تختلف الشرائع السماوية كلها في وجوب حفظه ورعايته، وحرمة إتلافه وإضاعته.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض