النمسا تستعد لحظر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال دون الـ14 عامًا
تسير النمسا بخطى ثابتة نحو تبني أحد أكثر قوانين حماية الأطفال الرقمية صرامةً على مستوى العالم، إذ أعلنت الحكومة النمساوية عن حزمة إجراءات شاملة تهدف إلى حماية القاصرين من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك حظر استخدام هذه المنصات لكل من هم دون سن الرابعة عشرة. ومن المقرر أن يُقدَّم مشروع القانون الرسمي بحلول نهاية يونيو 2026.
ما الذي تتضمنه الحزمة التشريعية النمساوية؟
أعلن أندرياس بابلر، نائب المستشار النمساوي وزعيم الحزب الديمقراطية الاجتماعية، أن الجهود الحكومية تشمل ثلاثة محاور رئيسية متكاملة. يتصدر هذه المحاور تحديد سن الرابعة عشرة حداً أدنى للسماح باستخدام منصات التواصل الاجتماعي، وهو سن أعلى مما تبنّته معظم الدول التي أقرت قوانين مماثلة حتى الآن. ويُكمل هذا الحظرَ محوران لا يقلان أهمية، هما تعزيز محو الأمية الإعلامية لدى الأجيال الناشئة، ووضع قواعد واضحة وملزِمة لمنصات التواصل الاجتماعي تحدد مسؤولياتها تجاه المستخدمين الصغار.
ولم تكشف الحكومة النمساوية حتى الآن عن التفاصيل الكاملة للقواعد التي ستُفرض على المنصات، غير أن الاتجاه العام يشير إلى أن النمسا ستسير على خطى دول سبقتها في هذا المسار، مع إضافة قيود أشد صرامة فيما يتعلق بالحد الأدنى لسن الاستخدام.
النمسا في سياق موجة تشريعية عالمية
لا تقف النمسا وحدها في هذا التوجه، بل تنضم إلى موجة تشريعية متصاعدة تجتاح دولاً عدة حول العالم، كل منها يسعى بطريقته إلى تنظيم وصول الأطفال إلى الفضاء الرقمي. وكانت أستراليا قد سبقت الجميع بإقرار أول حظر فعلي من نوعه يشمل من هم دون السادسة عشرة، لتصبح الرائدة في هذا المجال على الصعيد الدولي.
على الصعيد الأوروبي، تدرس كل من إسبانيا والمملكة المتحدة قوانين مماثلة لتقييد وصول القاصرين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، في حين لا تزال النقاشات تدور حول الآليات التقنية والقانونية الكفيلة بتطبيق هذه القيود بفاعلية. وتجدر الإشارة إلى أن النمسا تتميز عن هذه الدول بتحديدها سن الرابعة عشرة بدلاً من السادسة عشرة، مما يجعل تشريعها المرتقب من بين الأكثر صرامة في القارة العجوز.
وعلى المستوى الدولي الأوسع، أقرّت إندونيسيا مؤخراً لوائح تحظر على من هم دون السادسة عشرة استخدام منصات بارزة من بينها تيك توك ويوتيوب ورoblox. وقد دخل هذا الحظر الإندونيسي حيز التنفيذ، وإن كانت الحكومة أوضحت أن التطبيق سيكون تدريجياً حتى تلتزم جميع المنصات بالمتطلبات الجديدة.
لماذا سن الرابعة عشرة تحديداً؟
اختيار النمسا لسن الرابعة عشرة حداً فاصلاً يعكس تقييماً مختلفاً لمرحلة النضج الرقمي عند الأطفال، ويتوافق مع الدراسات النفسية والتربوية التي تُشير إلى أن هذه المرحلة العمرية تمثل نقطة تحول في قدرة الطفل على التعامل النقدي مع المحتوى الرقمي وتأثيراته النفسية والاجتماعية. كما يُشير هذا الاختيار إلى قناعة الحكومة النمساوية بأن الحماية الفعّالة تستوجب تأخير التعرض لهذه المنصات حتى مرحلة أكثر نضجاً مقارنة بما تبنّته دول أخرى.
تحديات التطبيق والتساؤلات المطروحة
رغم الزخم التشريعي المتصاعد، تبقى مسألة التطبيق الفعلي لهذه القوانين التحدي الأكبر أمام الحكومات. فالتحقق من أعمار المستخدمين على الإنترنت يظل مسألة تقنية وقانونية بالغة التعقيد، إذ يلجأ كثير من الأطفال إلى التحايل على القيود العمرية بسهولة عبر إدخال بيانات مزيفة أو استخدام حسابات ذويهم.
وستواجه المنصات الكبرى، كميتا وتيك توك وسناب شات، ضغوطاً متزايدة للامتثال للتشريعات النمساوية المرتقبة، في ظل عقوبات محتملة قد تطال الشركات التي تُخفق في تطبيق القيود العمرية بصورة فعّالة.
يبقى السؤال الجوهري مطروحاً على الساحة الدولية: هل تنجح هذه القوانين فعلاً في حماية الأطفال، أم أن الحل الحقيقي يكمن في التعليم الرقمي والتوعية الأسرية جنباً إلى جنب مع التشريعات؟ وستكون التجربة النمساوية، حين تبدأ، اختباراً مهماً يترقبه صانعو السياسات حول العالم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض