هوامش
أتعجّب من الهجمة الشرسة على مصر من بعض الأشقاء العرب نتيجة رؤى زائفة تعكس سوء فهم لمواقف مصر، وأتعجب أكثر من ذلك الجدل الذى يحمل فى باطنه هجوما سيئ النية بعد دعاء الشيخ الأزهرى فى ختام خطبة العيد بحضور الرئيس السيسى، حيث قال «اللهم يا رب بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبالسر الكامن فيها لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك» حتى إن بعض اللجان الإلكترونية التى تحمل أسماء وصور مواطنين عرب، حاولت إشعال الفتنة، وتساءلوا: هل المصريون سُنّة أم شيعة؟ بل إن بعضهم سخر قائلًا: «جمهورية مصر الفاطمية».
وأقول لهم: إن شعب مصر يختلف عن الجميع يا سادة. فقد حكم الفاطميون مصر أكثر من مئتى عام، ومع ذلك لم يتشيّع المصريون. نحن شعب، كما نقول بالعامية، «ما لناش كتالوج»، لا يمكن لأحد، مهما بلغ أعلى المراتب فى الفلسفة أو علم النفس أو الاجتماع، أن يتوقع ردود أفعال المصريين فى أى حدث.
شعب مصر يحب آل البيت، وتغلب عليه النزعة الصوفية. نعم، قد تنتشر بعض البدع على أيدى الجهلاء أو المستفيدين، وقد يتمسح البعض بالأضرحة ويلجأون إليها فى الشدائد، كعاصٍ يرجو التوسط لقضاء حاجته، لكنهم فى النهاية يدركون أن الأمر بيد الله الواحد الأحد، ويوقنون أنه وحده مجيب الدعاء والملجأ والملاذ.
قولوا ما شئتم، رددوا عبارات جارحة مثل «بلد الغوازى والغواني»، ولكم نحن شعب متدين، له عاداته وتقاليده، يحافظ على هويته الشرقية مهما تغرّب. نعانى من سلبيات مجتمعية قد تبدو كثيرة وكبيرة، ولا نخفيها، فيُخيّل للبعض أننا مجتمع مفكك يأكل بعضه بعضًا، لكن الحقيقة أنه عند الشدائد يتماسك مجتمعنا بصورة مدهشة.
قد نغضب من الغلاء وننتقد الحكومة، لكننا نصبر وندعم وطننا وقت المحن. فينا الشهامة طبع يغلب على أى صفة أخرى ومواقفنا شاهدة، فينا العلماء والمثقفون والأثرياء، وفينا الجهلاء والبسطاء والفقراء كأى مجتمع. فينا الشرفاء المكافحون وهم كُثر، وفينا الفاسدون والوصوليون كأى مجتمع فى أعتى الدول التى تتصدر مؤشرات الشفافية. وقد يدفع العوز بعض الناس إلى الانحراف، فلا تلوموهم بقدر ما تلومون هذا العوز، وهم فى كل الأحوال قلة.
مجتمعنا، كغيره، يرتكب أفراده الأخطاء والجرائم، لكننا نعلنها ونحذر منها، فيساء فهمنا ويُوصم مجتمعنا بها. أما الغالبية، فهم من الأسوياء المؤمنين، يؤدون عباداتهم فى المساجد والكنائس. نسيجنا الوطنى فريد لا يتكرر.
ويكفى أن نقول إن لدينا مساجد وكنائس تحمل أسماء تعبر عن هذا التعايش، فلدينا كنيسة «خاتم المرسلين» ولدينا مسجد شنودة ومسجد النبى دانيال، المسيحيون فى مصر يشاركون المسلمين فرحة المولد النبوى وينافسوهم فى شراء حلوى المولد وكحك العيد، ويقيم المسيحيون موائد الإفطار فى رمضان، بل ويشارك بعض القساوسة فى تعليق الزينة بالشوارع وحول الكنائس،كما يشارك المسلمون إخوانهم المسيحيين الاحتفال بأعيادهم. وقد يصلّى المسلم فى الكنيسة إذا أدركه وقت الصلاة، كما يشارك الجميع فى مظاهر الفرح والعبادة. أجراس الكنائس تعانق الأذان فى مشهد يعكس عظمة هذا الشعب.
انظروا إلى تعداد مصر، لتدركوا حجم الإيجابيات مقارنة بالسلبيات.
وأقول لكل الأشقاء فى الأمة العربية: لا تذكروا مصر والمصريين بسوء، فنحن نعشق أوطاننا بصدق، ونحمل فى قلوبنا خيرًا للجميع، ولا نضمر عداءً لأحد. قد نختلف، وقد نغضب، وقد نشتكى، لكننا لا نبيع أوطاننا ولا نخونها.
مصر، يا سادة، ليست مجرد دولة، بل حالة خاصة، وتاريخ ممتد، وشعب إذا غضب أفاق، وإذا أُصيب تماسَك، وإذا اشتدت عليه المحن ازداد صلابةً وقوة.
فاحذروا الحكم علينا من مشاهد عابرة أو أصوات نشاز، فمصر أكبر من ذلك بكثير...
وأذكركم بكلام الرسول «ص»
نعم، ورد فى الأثر ما يشير إلى أن أهل مصر فى رباط، وتحديداً فى الحديث المشهور: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جنداً كثيفاً، فذلك الجند خير أجناد الأرض»، حيث قال أبو بكر: ولِمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم فى رباط إلى يوم القيامة». حفظ الله مصر وشعبها من كل شر وسوء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض