رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

في عالم تتشابك فيه الحسابات السياسية مع توازنات القوة، تظل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا، فالتصريحات المتبادلة، خاصة تلك الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تعد تُقرأ في طهران باعتبارها مواقف حاسمة، بقدر ما تُفسَّر في سياق من التناقضات السابقة والرسائل المتبدلة، التي خلّفت إرثًا عميقًا من الشك وعدم اليقين.

من هذا المنطلق، يبدو أن إيران لا تتعامل مع الخطاب الأمريكي بجدية كاملة، ليس من باب الرفض المطلق، وإنما نتيجة تجربة طويلة من الاختبارات السياسية التي لم تفضِ دائمًا إلى نتائج مستقرة، فالإدارة الأمريكية، خلال فترات مختلفة، أرسلت إشارات متباينة، ما بين الانفتاح والتصعيد، وهو ما جعل صانع القرار الإيراني أكثر حذرًا في تقييم أي دعوة للحوار أو التفاوض.

ورغم أن الشروط الأمريكية المطروحة، لإنهاء الحرب الطاحنة،  تبدو، في ظاهرها، شديدة القسوة، فإنها في العمق تمثل أرضية أولية يمكن البناء عليها إذا توافرت النية الحقيقية لدى واشنطن، فالتاريخ الدبلوماسي بين الطرفين يُظهر أن كثيرًا من النقاط الخلافية الحالية ليست جديدة، بل سبق أن طُرحت في جولات تفاوضية سابقة، سواء في جنيف أو في سلطنة عُمان، حيث أبدت إيران حينها مرونة نسبية في بعض الملفات، وعلى رأسها برنامجها النووي ذي الطابع السلمي، إلى جانب نقاشات حول الصواريخ الباليستية، فضلًا عن قضايا رفع العقوبات والتعويضات.

اللافت في المشهد الراهن أن صمود إيران خلال الأسابيع الأخيرة والذي امتد لنحو 24 أو 25 يومًا في مواجهة ضغوط متزايدة يعيد تشكيل موازين التفاوض، فهذا الصمود لا يُقرأ فقط باعتباره موقفًا دفاعيًا، بل يمكن اعتباره ورقة قوة تعزز من قدرة طهران على الدخول في مفاوضات أكثر توازنًا، بعيدًا عن منطق الإملاءات أو الضغوط الأحادية.

في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية تقديم نفسها كطرف لا يزال ملتزمًا بالأطر الدولية، ولم يبعث برسائل سلبية واضحة بشأن احترام المعاهدات والبروتوكولات، غير أن هذا الطرح، حتى وإن كان صحيحًا في بعض جوانبه، لا يكفي وحده لإقناع إيران، التي تنظر إلى التجارب السابقة باعتبارها مؤشرًا أكثر واقعية من التصريحات الحالية.

وهنا تبرز معضلة الثقة كأكبر عقبة أمام أي تقارب محتمل، فنجاح أي حوار لا يتوقف فقط على طبيعة الشروط المطروحة، بل يعتمد بالأساس على وجود حد أدنى من الثقة المتبادلة وهو العنصر الذي لا يزال هشًا بين الطرفين،  فإيران، التي تؤكد أنها لن تقع مجددًا في فخ سياسي، تدرك أن أي اتفاق غير محصن بضمانات حقيقية قد يكون عرضة للانهيار مع تغير الإدارات أو المصالح.

في النهاية، وفقا لرؤيتي يمكن القول إن المشهد لا يخلو من فرص، رغم كل التعقيدات، فالمقترحات المطروحة، وإن بدت صعبة، ليست مستحيلة التحقيق، خاصة أنها تستند إلى نقاط سبق التوافق حولها جزئيًا، لكن الطريق إلى اتفاق حقيقي يظل مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز إرث الشك، وبناء جسور جديدة من المصداقية وهو التحدي الأكبر الذي سيحدد ما إذا كانت هذه اللحظة تمثل بداية انفراجة، أم مجرد جولة جديدة في دائرة الصراع المفتوح.