فعلها ترامب ووقع فيها العالم
حرب الطاقة
خبراء: تأثير الضربات الأمريكية والإيرانية يصل لأسواق النفط والكهرباء والبورصات العالمية
فى تصعيد مفاجئ يعكس تحولًا نوعيًا فى طبيعة الصراعات الجيوسياسية، شهدت الساعات الأولى بعد منتصف الليلة الماضية ضربات قامت بها أمريكا واسرائيل لاستهداف البنى التحتية لقطاع الطاقة، يقابلها رد إيرانى سريع حمل رسائل عسكرية واقتصادية فى آن واحد. هذا التصعيد لا يُقرأ فقط فى إطاره العسكرى، بل يفتح الباب أمام ما يصفه خبراء بـ«حرب الطاقة»، وهى مواجهة تتجاوز حدود الميدان لتصل إلى عمق الاقتصاد العالمى.
وكانت وسائل إعلام إيرانية قد أفادت فى الساعات الأولى من صباح أمس الثلاثاء، بوقوع قصف أمريكى إسرائيلى استهدف بنى تحتية لمنشأتى غاز فى أصفهان بوسط إيران وخرمشهر (جنوب غرب البلاد)، وجاءت هذه الضربات رغم إعلان الرئيس الأمريكى دونالد ترمب تأجيل استهداف منشآت الطاقة فى إيران لمدة خمسة أيام.
وذكرت وكالة «فارس» الإيرانية أن أحد الهجومين استهدف البنية التحتية للغاز الطبيعى فى أصفهان، بينما استهدف الآخر خط أنابيب الغاز الخاص بمحطة كهرباء خرمشهر، وأوضحت أن القصف طال مبنى إدارة الغاز فى شارع كاوه فى أصفهان مما أدى إلى حدوث أضرار فى المبنى والمبانى السكنية المجاورة.
أخطر أدوات الضغط
فى هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادى، الدكتور السيد خضر، أنّ استهداف منشآت الطاقة يمثل أخطر أدوات الضغط فى العصر الحديث، موضحًا أن «الاقتصاد العالمى اليوم قائم على استقرار إمدادات الطاقة، وأى اضطراب مفاجئ فى هذا القطاع ينعكس فورًا على كافة القطاعات الإنتاجية والخدمية»، مشيرا إلى أن الضربات التى استهدفت محطات الطاقة قد تؤدى إلى نقص مؤقت أو ممتد فى الإمدادات، ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع بشكل حاد، خاصة فى أسواق النفط والغاز.
وأوضح «خضر» أنّ أولى تداعيات هذه الأزمة تظهر فى أسواق الطاقة الفورية، حيث ترتفع الأسعار بفعل المخاوف وليس فقط بسبب نقص الإمداد الفعلى، وهو ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية». هذه الزيادات تنعكس بدورها على تكاليف النقل والصناعة، ما يؤدى إلى موجة تضخمية عالمية جديدة، خاصة فى الدول التى تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة.
كما لفت إلى أن الضربات التى وقعت بعد منتصف الليل تحمل دلالة استراتيجية، إذ تستهدف عنصر المفاجأة وتعظيم التأثير النفسى والاقتصادى، وهو ما يؤدى إلى اهتزاز ثقة الأسواق العالمية، موضحا أنّ المستثمرين فى مثل هذه الأوقات يتجهون إلى تقليل المخاطر، عبر سحب استثماراتهم من الأسواق الناشئة والتوجه نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والدولار، وهو ما قد يسبب ضغوطًا إضافية على العملات المحلية فى العديد من الدول.
عنصر حاسم
من جانبه، أكد الدكتور والخبير الاقتصادى، خالد الشافعى، أن الرد الإيرانى يُعد عنصرًا حاسمًا فى تحديد مسار الأزمة، موضحًا أن «طبيعة الرد وحدوده ستحدد ما إذا كنا أمام أزمة مؤقتة أم بداية لصراع طويل الأمد». وأشار إلى أن أى استهداف إيرانى لممرات ملاحية حيوية أو منشآت طاقة إضافية قد يؤدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، خاصة فى منطقة الخليج التى تمر عبرها نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
وأضاف «الشافعي» أن أحد أخطر السيناريوهات يتمثل فى تهديد حركة الملاحة فى مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدى إلى قفزات غير مسبوقة فى أسعار النفط، وربما تجاوزها مستويات قياسية، الأمر الذى سينعكس على أسعار الوقود والكهرباء عالميًا، مشيرا إلى أن ارتفاع تكاليف التأمين على السفن والشحن سيؤدى إلى زيادة أسعار السلع الأساسية، ما يضغط على معدلات التضخم ويؤثر على القوة الشرائية للمستهلكين.
وأشار إلى أن الاقتصادات الأوروبية قد تكون من بين الأكثر تأثرًا، نظرًا لاعتمادها على واردات الطاقة، خاصة فى ظل التحديات المستمرة فى تأمين الغاز، كما أن الدول النامية ستواجه ضغوطًا مزدوجة، تتمثل فى ارتفاع فاتورة الاستيراد من جهة، وتراجع قيمة عملاتها نتيجة خروج الاستثمارات من جهة أخرى.
وأوضح الخبير الاقتصادى، أن هذه التطورات قد تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية، حيث قد تسعى الدول الكبرى إلى تنويع مصادرها بشكل أكبر وتسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، لتقليل الاعتماد على المناطق المضطربة سياسيًا إلا أن هذا التحول يحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة، ما يعنى أن العالم سيظل عرضة لمثل هذه الصدمات على المدى القصير.
كما حذر من أن استمرار التصعيد قد يؤدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادى العالمى، خاصة إذا استمرت أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، مشيرا إلى أن الشركات الصناعية الكبرى قد تضطر إلى تقليص إنتاجها أو رفع أسعار منتجاتها، ما يخلق حلقة مفرغة من التضخم والركود، وهو ما يُعرف بالركود التضخمى.
وقال الخبير الاقتصادى إنّ الأسواق المالية ستظل فى حالة تقلب حاد خلال الفترة المقبلة، مع توقعات بانخفاض مؤشرات الأسهم فى العديد من البورصات العالمية، خاصة فى القطاعات الأكثر استهلاكًا للطاقة مثل الصناعة والنقل. فى المقابل، قد تشهد شركات الطاقة مكاسب مؤقتة نتيجة ارتفاع الأسعار.
واختتم «الشافعى» بالتأكيد على أن الحلول السياسية والدبلوماسية تظل الخيار الوحيد لتجنب انزلاق العالم إلى أزمة اقتصادية أعمق، مؤكدا أن استمرار «حرب الطاقة» سيؤدى إلى تداعيات تتجاوز حدود الدول المعنية لتشمل الاقتصاد العالمى بأسره. وفى ظل هذه الأوضاع، تبقى الأسواق فى حالة ترقب حذر، بانتظار أى مؤشرات على التهدئة أو التصعيد، فى معركة أصبحت فيها الطاقة سلاحًا لا يقل خطورة عن أى سلاح تقليدى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض